«نِزْلت السلّة». هذه العبارة تتصدر الـ«تراند» منذ أول من أمس. إذ باتت السلة الشغل الشاغل لناس ينتظرون من يسعفهم في لقمة عيشهم التي «طارت» مع سعر صرف الدولار. أمس، وعقب اجتماع ما قبل الإعلان عن السلة المدعومة على أساس سعر صرف 3900 ليرة لبنانية للدولار، خرج وزير الاقتصاد والتجارة، راوول نعمة «مبشّراً» بدعم يفترض أن يخفف من الثقل الذي يتحمله الناس بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار السلع، وتحديداً تلك التي تحمل الطابع اليومي الأساسي. وأكثر ما شدّد عليه نعمة، كما «الشركاء» من «زراعة» و«صناعة»، هو أن السلة ستغطي 80% من احتياجات المواطن الأساسية.

«نزلت» السلة، لكنها لم تكن على قدر توقعات كثر، من مواطنين ومزارعين ونقابات الصناعات الغذائية وبعض المستوردين. كانت سلة ببنود كثيرة، من دون أن تعني أنها بنود صالحة للاستفادة، وخصوصاً أنها تضمنت كثيراً من السلع المنسوبة «زوراً» إلى ما يمكن تسميته احتياجات أساسية للمواطنين، إضافة إلى «المبالغة في دعم استيراد مواد تنتج محلياً ونجد صعوبة في تصريفها أصلاً»، على ما يقول أنطوان الحويك، رئيس تجمع المزارعين اللبنانيين.
في المبدأ، يمكن الحديث عن 11 فئة تندرج تحتها السلع البالغ عددها 333، وتتضمن اللحوم ومشتقاتها، المنتجات الدهنية والزيتية، الخضر الطازجة والمعلبة والمثلجة، البذور والمكسرات والثمار الجوزية، مواد غذائية متفرقة، مواد استهلاك شخصي، دواجن وحيوانات، أسمدة، إنتاج حيواني وأعلاف، أدوية بيطرية للمواشي والدواجن، مكونات سلع تصنع في لبنان.

(مروان طحطح)

في ما يخص فئات السلع الجاهزة للاستهلاك، يأخذ المعنيّون على «الإخراج» أنه «لم ينمّ عن تخطيط، فثمة سلع مستغرب وجودها ضمن اللائحة»، على ما يقول الحويك. ينطلق الأخير من المنتجات الزراعية والمواد الأولية المستخدمة فيها. في الشق الأول، لا يستوعب وجود سلع «ننتجها بكميات ونتحشّم على الناس كي يشتروها»، منها على سبيل المثال: البصل والسماق وزيت الزيتون المكرر. ويستغرب الحويك كيف مرت تلك السلع على وزير الزراعة عباس مرتضى، ولا يجد جواباً سوى أنه في صدد التحضير لـ«الساعة الصفر» لمواجهة «سياسة الدولة التدميرية بحق الزراعة والإنتاج الوطني والقطاعات الإنتاجية».
هي ملاحظات أولية يبديها المعنيون في تقييمهم للسلة، لكنها أساسية، ولعل أهمها الإجابة عن سؤال: ماذا تعني عبارة السلع التي تسدّ حاجات أساسية؟ لا يجد هؤلاء تفسيراً لـ«دسّ» كثير من السلع تحت خانة الأساسيات، يعدّد بعضها رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو: هوت دوغ. فطر معلب. رقائق ذرة. رقائق ذرة منكّهة. قشطة. حليب مكثف محلّى. مكسرات. قهوة سريعة التحضير. مبيض للقهوة. خردل. مشمش مجفف. كرنبري. عصائر مركزة.
ليست أزمة سلع مضمومة على عجل بقدر ما هي أزمة تخطيط وسوء تقدير وفهم لاحتياجات الناس الأساسية. هذا ما يقوله برو وغيره كثر، ومنهم أحمد حطيط، رئيس نقابة الصناعات الغذائية في لبنان. يشير حطيط الى أنه كان للسلة وجهان، أحدهما إيحابي والآخر سلبي. في الشق الأول، يعوّل حطيط على دعم استقرار أسعار السلع، إضافة إلى انعكاسها على سعر صرف الدولار في السوق، أما في الشق الآخر، فيعيد الإشارة إلى سلع «بلا عازة»، كان الأولى الاستغناء عنها لإفساح المجال أمام سلعٍ أخرى يحتاج إليها المواطنون فعلاً. وفي ما يتعلق بالصناعات الغذائية، كان الأولى دعم المنتجات المحلية بدل استيرادها، كالبهارات مثلاً. مع ذلك، كان ثمة «جانب مشرق» في ما يخص دعم المواد الأولية لبعض الصناعات التي يستطيع لبنان من خلالها تحقيق اكتفاء ذاتي «مثل المعلبات على أنواعها والمشروبات والبهارات والدجاج».
النظرة إلى السلة لدى مصنعي الغذاء تحمل دائماً وجهتَي نظر. بحسب منير البساط، صاحب معامل البساط وعضو نقابة الصناعات الغذائية، «لسنا أمام عالَم مثاليّ»، انطلاقاً من التجربة التي رافقت لائحة الدعم الأولى لناحية الصعوبات التي واجهتها في ظل الأزمة المالية الحالية، كفتح الاعتمادات والتأخر في الموافقات المطلوبة من لجنة مصرف لبنان التي تدرس الطلبات، فضلاً عن قدرة المصرف على تغطية التكاليف. إلى ذلك تضاف ما تتطلبه الآلية من شفافية، وخصوصاً أن «العرف» السائد أن «هناك مستوردين أوراقهم حاضرة، فيما آخرون لا يصلون ع السريع». من هنا، المطلوب أن تكون الآلية واضحة وشفافة وأن تطبق بطريقة سليمة.
المشكلة هنا «أننا نعمل على استيراد بضائع عم تستهلك وعم نرجع نستهلك غيرها». هذه باختصار وظيفة السلة. يحلو للبساط أن يقيم مقارنة بين ما أقدمت عليه وزارة الاقتصاد والآلية التي كانت قد أقرّتها وزارة الصناعة في ما يخصّ دعم الصناعة، وإن كانت لم تطبق إلى الآن. وهي الآلية التي تتعلق بدعم الصناعيين بـ 100 مليون دولار أميركي «ليست هدية من مصرف لبنان، وإنما تسييل أموال الصناعيين المحجوزة». أهمية تلك الآلية أن «فيها استدامة أكثر، يكفي أن أقوم بتحويل لمرة واحدة حتى يمشي الدولاب ولا يعود الـ fresh money يشكل هاجساً».
بعيداً عن المصنّعين والمزارعين، يحضر التجار. يشكو رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي، لكون «دورنا» في السلة اقتصر على إبداء الرأي، على عكس اللائحة الأولى التي أعطوا ملاحظاتهم عليها. لذلك يمكن الحديث هنا عن بعض الثغرات لناحية «وجود أصناف يمكن التخفيف منها لإعطاء مساحة أكبر لأصناف أخرى». كذلك يعترض بحصلي على وجود بعض الأصناف «مثل العصائر المركزة»، وإن كان الصناعيون يعتبرون أنها «لهم»، إذ يمكن اعتبارها مادة أولية في الإنتاج.
تضمنت السلة سلعاً كثيرة منسوبة «زوراً» إلى ما يسمى احتياجات أساسية


ما عدا ذلك، لهؤلاء وجهة نظر أخرى لا علاقة لها بالأصناف، بقدر ما لها علاقة بالآلية. صحيح أن لا آلية نافذة إلى الآن، ولكن ثمة شروط قاسية وضعتها وزارة الاقتصاد «لا نتصور معها أن تكون هناك كمية كافية من السلع التي سيجري دعمها». منطلق هذا الأمر هي الشروط التي تضعها الوزارة لناحية سعر المبيع والكلفة التي «لا أعتقد أنها ستغطي التكاليف التي يتكبدها التجار ولن تكون حافزاً لكثيرين». قد لا تكون «عملية مستدامة، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن السلعة المستوردة ستباع بسعر الكلفة، فيما سعر الصرف غير ثابت والأموال محجوزة في المصارف».
الخوف الآخر من تلك الخطوة هو أنها تعمل على تعزيز قطاع اقتصادي «على حساب قطاع آخر، هو الاستيراد»، يقول البحصلي. يستدرك الأخير: «لسنا ضد تطوير الصناعات اللبنانية، وهذا ليس موضوعاً للنقاش، ولكن ليس على حساب تدمير قطاع آخر يشغّل آلاف الأيدي العاملة». أضف إلى ذلك أن هذا الأمر «من شأنه إلغاء المنافسة، فعلى الأقل يجب أن يكون لدى المواطن اللبناني خيار لانتقاء منتج دون آخر».

المستلزمات الزراعية
من باب السلة المدعومة على سعر صرف الـ 3900 ليرة لبنانية، يستعدّ المزارعون للمواجهة العلنية الأولى معها. فقد أتت تلك السلّة لتلغي «كل أمل باستعادة حقّنا بأن تشمل المستلزمات والمعدات والأدوية الزراعية بالتعميم 530 لمصرف لبنان». يحسم رئيس تجمع المزارعين اللبنانيين الموقف من السلة باعتبار أنه سيكون لها أثر سلبي على المزارعين والمستهلكين على حدٍ سواء «إذ إن الـ 3900 هي 3 أضعاف القيمة التي كنا نستورد على أساسها المعدات، فيما المبيع بالليرة اللبنانية، وهنا تقع الخسارة».