البند السابع على جدول أعمال مجلس الوزراء غداً يستعيد نقاشاً يقارب عمره العشرين عاماً. قانون تنظيم قطاع الكهرباء الرقم 462، أقر في عام 2002، لكنه منذ ذلك التاريخ لم ينفّذ. الحجة كانت دائماً أنه «متضارب ومتناقض وغامض وغير قابل للتنفيذ قبل تعديله». مرّت السنوات حاملة محاولات عديدة للتعديل لكن شيئاً لم يتغيّر، فكانت النتيجة لا تنفيذ ولا تعديل. هذه المرة، يبدو أن القرار اتخذ لتعديله. ببساطة لأنه لم يعد بالإمكان التغاضي عن أحد أبرز شروط البنك الدولي، أي إنشاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء. هذا ليس سراً. مصدر مسؤول في وزارة الطاقة يقول إنه لا جدوى اقتصادية من تطبيق القانون 462، لكن مع ذلك، فإن وضعه على سكة التطبيق من خلال إقرار التعديلات، سيعطي رسالة إيجابية لـ«المجتمع الدولي»، الذي يشترط إنشاء هيئة تنظيم القطاع، لتمويل أي مشروع في قطاع الكهرباء. التعديلات ليست من شروط البنك الدولي، لكن التيار الوطني الحر رفض على مرّ السنين تعيين الهيئة الناظمة قبل تعديل القانون. صحيح أن عشرين عاماً جعلت من بعض الأحكام التي يتضمنها القانون بلا قيمة، إلا أن الأولوية كانت بالنسبة إلى التيار، الذي تعامل مع الوزارة كأنها حصته الأبدية: لا هيئة ناظمة خارجة عن سلطة الوزير. وعليه، فإن التعديل الأبرز يتعلق بتعديل الصلاحيات الواسعة للهيئة، وجعل معظم نشاطها خاضعاً لموافقة وزير الطاقة. بالنتيجة، فإن ذلك القانون وتعديلاته ظلت دائماً خاضعة للصراعات السياسية، ولا سيما بعد تسلّم التيار الوزارة في عام 2009. قبل ذلك التاريخ، كان هنالك اتفاق ضمني على طيّ صفحة القانون، لإبعاد شبح الخصخصة عن القطاع.


(هيثم الموسوي)

لذلك، فإن موضوع التعديل طُرح بشكل جدي بعد صدور ورقة سياسة القطاع في عام 2010، ثم طرح مع إقرار القانون 181 في عام 2011. إنشئت لجنة وزارية للنظر في التعديلات، ورفعت مشروع قانون لتعديل القانون للمرة الأولى في 21/3/2012، إلا أنه لم يقر. ومنذ ذلك التاريخ، في كل مرة كانت تطرح فيها مسألة تعيين هيئة إدارة القطاع، كان الرد من وزراء الطاقة يكون باستحالة تعيين الهيئة قبل تعديل القانون أولاً.
في 14 نيسان 2019، وإثر الخلاف المتعلق بطرح اقتراح لتعديل مادة في القانون 462 (الإجازة بإنشاء معامل الكهرباء وفق عقود BOT)، وهي لم تكن المرة الأولى التي يعدّل فيها المجلس القانون الذي لم ينفّذ في جميع مندرجاته، صدرت توصية نيابية بإنجاز التعديلات على القانون وتشكيل هيئة تنظيم القطاع. كان الميل حينها إلى ضرورة إلزام الحكومة بتطبيق القانون 462، لناحية تشكيل الهيئة، لكن التيار الوطني الحر، أصرّ، مرة جديدة، على ربط الأمرين، أي تعديل القانون ثم تشكيل الهيئة، وهو ما تضمّنته مسودة جديدة رفعت إلى مجلس الوزراء في 26/3/2019. كذلك عادت الوزارة وأرسلت مسودة جديدة في 28/2/2020، تضمنت ملاحظات اللجنة الوزارية التي عقدت آخر اجتماعاتها في 25/10/2019.
هل يسير التعديل اليوم نحو الإقرار؟ مصادر في وزارة الطاقة تتوقع أن توافق الحكومة على مشروع القانون وتحيله إلى المجلس النيابي، وخاصة أن كل الجهات التقنية والسياسية شاركت في إعداد التعديلات. لكن في المقابل، فإن جهات أخرى لا تزال عند رفضها تعيين هيئة ناظمة بلا صلاحيات.
مشكلة القانون وتعديلاته أنها لا تتناول مسألة الهيئة الناظمة فقط، بل تشمل مصير مؤسسة كهرباء لبنان ومصير الموظفين، والأهم أنها تنهي دور الدولة في قطاعات الإنتاج والتوزيع، وتترك لها السيطرة الجزئية على قطاع النقل.
خلاصة التعديلات، كما صار معروفاً، هي إلغاء استقلالية الهيئة. تعديل المادة السابعة يؤكد وجوب أن تنشأ الهيئة في وزارة الطاقة، وتكون قراراتها خاضعة للمخطط التوجيهي الذي تعده الوزارة، على أن ترفع اقتراحاتها وتوصياتها إلى الوزير للمصادقة عليها. بالنسبة للوزير ريمون غجر، فإن هذا التعديل لا يهدف إلى نزع صلاحيات من الهيئة وإعطائها للوزير، بل الهدف هو عدم تعارض مهماتها مع صلاحيات الوزير، إذ إن تعيين الهيئة من دون تعديل صلاحياتها، سيجعل القانون قابلاً للطعن.
بعد إفراغ الهيئة من صلاحياتها، يأتي دور المحاصصة. الهيئة، كانت بحسب القانون مؤلفة من رئيس وأربعة أعضاء، وتلك «سقطة» لم يتنبّه لها المشرّع آنذاك. أن يكون الأعضاء 5، فهذا لا يراعي مقتضيات الوفاق الوطني، المبني على قاعدة 6 و6 مكرر. ولذلك، تصدى التعديل لهذا الخلل، فأضيف عضو واحد أولاً، ثم جعلت مدة التعيين 6 سنوات بدلاً من خمس. باختصار، تستنسخ هيئة الكهرباء، تجربة هيئة البترول، لناحية الصلاحيات المحدودة، التي تضمن سيطرة وزير الطاقة عليها، ولناحية مراعاة المحاصصة الطائفية بين الطوائف «الأساسية».
التعديلات، المقدمة من وزير الطاقة في 27/4/2020، تعني عملياً تحويل الهيئة الى هيئة استشارية ليس لها أي دور تنفيذي في تنظيم قطاع الكهرباء، حيث تبدي فقط الرأي أو الاقتراح في بعض الأمور؛ من بينها الاتفاقات والأذونات والإجازات في مجالي إنتاج وتوزيع الطاقة التي يعود لوزير الطاقة أمر بتّها، بصرف النظر عن رأي الهيئة أو اقتراحها، ما يتعارض مع الإشارة إلى استقلالية الهيئة مالياً وإدارياً وفنياً. كذلك، فإن نقل الصلاحيات من الهيئة الى وزير الطاقة يستتبع حكماً نقل المسؤوليات إليه عملاً بمبدأ لا مسؤولية من دون صلاحية. وهذا يعني، على سبيل المثال، أنه كما سيكون للهيئة الجهاز البشري والاحتياجات اللوجستية لكي تتمكن من القيام بدورها في المرحلة النهائية، فإن الوزير بدوره سوف يحتاج الى إعداد الجهاز البشري والاحتياجات اللوجستية لكي يتمكن من القيام بصلاحياتها.
موظفو «كهرباء لبنان»: المادة 45 لن تمرّ


حتى صلاحية الترخيص من خلال مناقصات عامة لإنتاج ما يزيد على 25 ميغاواط، أو عبر استدراج عروض للإنتاج الذي يقل عن 25 ميغاواط، سحبت من الهيئة، لتصبح المادة الخامسة (الفقرة الثانية) على الشكل الآتي: يمكن للوزير، بقرار من مجلس الوزراء، وبناءً على اقتراحه المستند إلى رأي الهيئة أن يتعاقد مع شركة بمدة أقصاها 25 سنة للإنتاج بقدرات تتعدى 10 ميغاواط….
إضافة إلى تلك النقطة التي تهدد مشروع التعديل مرة جديدة، فإن الأخطر يبقى في أصل القانون، الذي يتعامل مع الخصخصة كأمر واقع. ببساطة، قطاع الكهرباء سيكون خاصعاً للقطاع الخاص. حتى مؤسسة كهرباء لبنان ستتحول إلى شركة، قابلة بدورها للتشركة مع القطاع الخاص. مصادر متابعة تسأل إذا كان لبنان قادراً حالياً على إنتاج 2200 ميغاواط، فهذا يعني أن كل ما يحتاج إليه هو 1500 ميغاواط. وهذه كمية صغيرة ليتم التخلي عن القطاع من أجلها. مليار دولار، هي تكلفة هذه الكمية، وهو مبلغ يمكن للشركات المهتمة بالاستثمار في لبنان أن تؤمّنه عن طريق BOT بالمقارنة مع الخسارة التي يمكن أن تتكبدها الدولة من جراء خسارة قطاع الإنتاج، بعدما سبق أن خسرت قطاع التوزيع. للمناسبة، فإن لجنة إدارة مشروع مقدمي خدمات التوزيع في كهرباء لبنان أعدّت كتاباً يقترح إبلاغ مجلس الوزراء أن المشروع لم يحقق أهدافه، وأبرزها تخفيض الهدر الفني وغير الفني.

غجر: عدم تعديل صلاحيات الهيئة… يعرّض القانون للطعن


الموظفون بدورهم، سيتحركون رفضاً لإقرار القانون، ولا سيما المادة 45 منه. نقابة موظفي المؤسسة تجتمع اليوم، بعنوان واضح: المادة 45 في نصها الحالي لن تمر.
بحسب مصادر النقابة، فإن المادة التي تعنى بمصيرهم لم تناقش معهم، بل أرسل لهم ملخص عبارة عن ثلاثة أسطر فقط. في نص المادة إشارة إلى أن «الأجراء والمستخدمين مع المؤسسة» سيتوزّعون على ثلاث فئات: إما أن يتم اختيارهم للعمل في الهيئة، أو أن يتم اختيارهم من قبل أي من الشركات، أو في الحالات الأخرى تطبق عليهم أحكام الفائض المرعية الإجراء. بثلاثة أسطر، يتم تحديد مصير 1500 موظف، من دون حتى الأخذ برأيهم، علماً بأن مصير موظفي الوزارة لن يكون أفضل بكثير. فهؤلاء إما أن يبقوا في ملاك الوزارة، أو أن يتم اختيارهم للعمل في الهيئة أو إحدى الشركات، أو أن ينقلوا إلى ملاكات الإدارة العامة الأخرى، أو أن يوضعوا بالتصرف، علماً بأنهم جميعهم يدركون أن الانتقال إلى القطاع الخاص سيعني التخلي عن أمانهم الوظيفي.