قبل ثلاث سنوات، عُيّن إمري غوركان رئيساً تنفيذياً لشركة «تاتش» (ميك 2)، التي تُديرها شركة زين نيابةً عن الدولة اللبنانية. سُوِّق يومها الرجل على أنّه صاحب «خبرة تزيد عن 25 عاماً، اكتسبها من عمله في مجالات تقنية المعلومات والاتصالات في الأسواق العالمية، وخبرات في المجالات الإدارية والاستشارية لشركات الاتصالات في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الشمالية وأوروبا». غوركان موظّف أيضاً في «زين»، ويشغل منصب الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات وتطوير الأعمال منذ الـ2014. المواطن التركي، الحامل لجنسية الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، لا يُفترض أن تُشكّل الوظيفة في لبنان له أكثر من «محطّة» على درب مشواره المهني الطويل، هو الذي تنقّل في أهمّ المواقع العالمية. ولكن يبدو أنّ غوركان وجد داخل «تاتش» ما لم يكتشفه في مواقع وظيفية أخرى، فبات مُتشبثاً بالبقاء في لبنان.

تقول مصادر مُطلعة، مُختصة بقطاع الخلوي، إنّ في عالم الأعمال ثمة خاسرون سيئون وخاسرون جيدون، «غوركان ينتمي إلى الفئة الأولى، لم يتقبّل أنّ الحكومة أجازت في 27 نيسان الماضي استرداد إدارة قطاع الخلوي، ويُحاول القيام بكلّ ما أمكن لعرقلة إجراءات التسلّم والتسليم». استُخدم سلاح تأخير دفع رواتب نيسان للموظفين، بحجة أنّ الشركة لم تحصل على أموالها من الدولة، رغم أنّها كانت في الأشهر السابقة تدفع الرواتب مُلتزمةً بما ينصّ عليه عقد التشغيل بأنّ «الشركة المُشغّلة هي المسؤولة عن دفع مستحقات الموظفين، على أن تحصّلها من الدولة». دُفعت الرواتب أخيراً «رغم معارضة غوركان لذلك، ولكن الأرجح أن تكون حصلت اتصالات على مستويات عالية مع إدارة زين من أجل التوقيع»، بحسب المصادر.
سقطت ورقة استغلال الموظفين لا سيّما في الظروف الاقتصادية الخانقة - مؤقتاً - ولكن لا يزال بين يدَي غوركان «فريسة» أخرى، يستمر في تضييق الخناق حولها، علّها تُفجّر غضبها بوجه الدولة. الموردون الذين لا يقبضون ثمن أعمالهم، ويستمر الجزء الأكبر منهم بتسيير أعمال الشبكة حتى لا تتدنّى مؤشرات الأداء الرئيسية، «فيما يبدو غوركان كمن يشتري الوقت غير مُهتم بأوضاعهم. وإلا لماذا تجاهل التقارير التي وصلته وتُحذّره من الخطر الكبير الذي تتعرّض له الشبكة؟»، تسأل المصادر المُطلعة. وتُضيف بأنّ غوركان «لا يتصرّف كمدير تنفيذي، بل يتلهّى بتصفية الحسابات السياسية»، غير آبه بانهيار «الرجل المريض»، طالما أنّه أُقصي عن المشهد. خزانات الوقود تفرغ، قطع الغيار مفقودة، المواد الاستهلاكية غير متوفرة... والموردون يقدرون في أي لحظة أن ينسحبوا، ما سيؤدّي إلى أعطال وتوقّف الشبكة عن العمل. حينها سترتفع أصوات المواطنين اعتراضاً على تعطّل الاتصالات، ويُلقون اللوم على الدولة، فيما غوركان يجلس في مكتبه نافضاً قميصه: «انتهى عقد مجلس الإدارة، لا نملك التوقيع لإتمام المعاملات، وزارة الاتصالات لم تجد حلّاً». تعتبر المصادر أنّ «الموضوع غير بريء، والصيانة متوقفة حتى يُقال حين تستلم الدولة القطاع إنّها مُدير سيء».

تؤكّد «زين» أنّ القرارات مركزية ولا تُتخذ على المستوى الشخصي


إلا أنّ «الأخطر» في كلّ ما يجري، هو تحوّل الرئيس التنفيذي لـ«تاتش» إلى مُحرّض ضدّ الدولة اللبنانية. تؤكّد معلومات «الأخبار» أنّ غوركان يعمل مع حلقة ضيقة جدّاً، تضمّ محامياً كان يعمل في الشركة، من أجل رفع دعوى قضائية ضدّ الدولة، والتحريض عليها أمام المجتمع الدولي والجهات المانحة، «انطلاقاً من أنّ الحكومة فاسدة ولا يجوز منحها الأموال اللازمة». الثغرة القديمة - الجديدة، التي يُحاول غوركان الولوج منها، هي عدم التزام الدولة بالقانون 431، «على اعتبار أنّ الأخير ينصّ على تحرير قطاع الاتصالات. استعادة إدارته يعني أنّ الدولة تُخالف النصّ وتتسبّب في تخفيض قيمته». هي القاعدة نفسها التي انطلق منها تيار المستقبل سنة 2011 لشنّ حملة سياسية ضدّ وزير الاتصالات السابق شربل نحّاس. فعقد يومها مؤتمراً صحافياً استهلّه بأنّ قطاع الاتصالات «ليس طريقة لفرض الضرائب والريوع... ولا هو مباح لمن سولّت له نفسه خلال أعوام ماضية أن يفرض أمراً واقعاً داخليا ليبني قلعة خاصة له». وكشف نحّاس حينها عن حكم صدر عن مجلس شورى الدولة يؤكّد أنّ القانون 431 «مُعلّق النفاذ».
هي «الخرطوشة» الأخيرة التي يُحاول غوركان استغلالها، بعد أن ظنّ أنّه من خلال العلاقة الجيّدة بين وزير الاتصالات طلال حواط، ورئيس مجلس إدارة «زين» ورئيسها التنفيذي بدر الخرافي، وبعد مشاركته في وضع «الخطّة المستقبلية» لقطاع الخلوي، سيبقى «سلطان» قطاع الخلوي في البلد. ولكن هل يقوم الرئيس التنفيذي لـ«تاتش» بذلك بـ«مبادرة فردية»، أم أنّه يُنفّذ طلبات مرؤسيه في «زين»؟
راسلت «الأخبار» شركة زين، التي نفت بدايةً أن يكون غوركان قد وقّع رواتب الموظفين بعد أن طُلب منه ذلك، «باعتبار أنّ زين شركة إقليمية مدرجة تعتمد على المركزية في القرارات التي لا تتخذ على مستوى شخصي، وهذا الأمر بالذات تطلّب تنسيقاً مُسبقاً بين مجموعة زين ووزارة الإتصالات». أما بالنسبة إلى تحريض غوركان على الدولة، فورد في الردّ: «نُشدّد على أنّ هذا الأمر لم يُطرح بتاتاً ولا أساس له من الصحة إطلاقاً، وأنّه في كافة الأحوال فإنّنا نُكرّر ونؤكد بأنّ القرارات في مجموعة زين هي قرارات مركزية ولا تُتخذ على المستوى الشخصي».