منذ آخر قانون عفو عن المحكومين في ملفّ الضّنية ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والحديث عن قانون عفوٍ جديد لا يغيب عن السجالات اليومية. والحال أن الوعاء الذي يحوي النقاشات المتضادة والانقسام حول قانون العفو، يعطي عيّنة عن عصارة الطائفية اللبنانية واختلال نظام العدالة في البلاد، وسوء مراكز الاحتجاز والسجون والظلم الواقع على أفراد أو جماعات، والحظوة التي ينالها أفراد آخرون. وكذلك الأمر، التباين الداخلي الكبير حول النظرة إلى الصراع مع العدو الإسرائيلي، وموقع لبنان واللبنانيين في هذا الصراع.

ومما لا شكّ فيه، أن المخاوف التي بثّها فيروس كورونا هي المحرّك الأساسي اليوم، للوصول إلى قانون عفو نتيجة توافق سياسي/طائفي، كما هي الحال في أي ملفّ آخر أو قضية.
أمس، قدّمت اللجان المشتركة، بعد نقاشات مطوّلة وسجالات حادة، اقتراحاً إلى مجلس النواب، من المفترض أن يناقشه ويقرّه بعد التعديلات الأسبوع المقبل. وبدا لافتاً أمس، أن الاقتراح الذي تم نقاشه في اجتماع اللجان النيابية المشتركة، والمقترح أساساً من اللجنة النيابية المصغّرة، تم بحضور أكثر من نصف النواب وتمثيل غالبية الكتل في البرلمان، ما يؤكّد وجود اتفاق سياسي على المبدأ، وأن النقاش ينحصر في التفاصيل.
الاقتراح استثنى العفو عن كل الجرائم الواقعة على المال العام، مهما اختلفت توصيفاها. إلّا أن النقطة الأكثر حساسية، كانت تلك المتعلّقة بعناصر ميليشيا العميل أنطوان لحد وعائلاتهم الفارّين إلى فلسطين المحتلة منذ تحرير الجنوب في العام 2000، بعد أن أقرّ القانون 194/2011 لمعالجة وضعهم، بناءً على اقتراح من النائب ميشال عون وقتذاك.
لكن المواد المتعلّقة بالعملاء، كما المواد الأخرى، تعاني من ثغر قانونية وسياسية عديدة. فالمادة الأولى من مشروع القانون، تمنح عفواً عاماً عن الجنح على اختلاف أنواعها، المنصوص عنها في قانون العقوبات وغير المستثناة بموجب المادة الثانية منه. وتميز بين الجرائم التي تلحق بالغير وتلك التي لم تلحق أي إيذاء جسدي أو مادي، وتشترط للاستفادة من منحة العفو العام بالنسبة إلى الفئة الاولى الاستحصال على إسقاط حق شخصي في حال وجود دعوى حق شخصي تبعاً لدعوى الحق العام. إلا أن هذه الصيغة تبدو ركيكة ومتناقضة وتفتقر الى الصياغة التشريعية؛ فمن جهة يمنح العفو عن الجنح المرتكبة قبل تاريخ نفاذ هذا القانون، سواء التي حرّكت فيها دعوى الحق العام أم لم تحرّك، ومن جهة ثانية لا يميز بين الجرائم التي يتوقف تحريك الدعوى العامة على ادّعاء شخصي من المتضرر، ما يعني تعطيلاً للبند ثانياً وشمول العفو للجرائم التي تلحق بالغير إيذاءً، في حال عدم وجود دعوى حق شخصي تبعاً لدعوى الحق العام. وبالتالي، فإن العفو سيشمل جميع الجنح، ولو ألحقت إيذاءً جسدياً، في حال عدم وجود دعوى حق شخصي!
أما في المادة الثالثة، فيشمل العفو الجنايات الخطرة التي تصنف من قبيل جرائم جمعيات الأشرار، وهي المنصوص عليها في المادة 335 جمعية لارتكاب الجنايات على الناس والأموال. الهرطقة التشريعية تبدو في منح العفو حتى عن الجرائم التي تتضمن ارتكاب جنايات بقصد النيل من سلطة الدولة أو هيبتها أو التعرض لمؤسساتها، والتي قد تكون غاية المجرمين بالاعتداء على حياة الغير أو حياة الموظفين في المؤسسات والإدارات العامة. وهي من الجرائم التي لا يمكن إسقاط الحقوق الشخصية فيها، وبالتالي تشمل جنايات بقصد النيل من سلطة الدولة. فهل ستشمل جرائم الاعتداء على القوى الأمنية والجرائم المالية غير المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف؟
أما العفو عن سرقات الدراجات النارية، فتنص المادة 638/4 من قانون العقوبات المادة 638 على تشديد عقوبة السرقة، بحيث يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنوات الى عشر سنوات على السرقة في إحدى الحالات التالية، إذا وقعت السرقة على سيارة أو أي مركبة برية ذات محرك. وبالتالي، تقتصر منحة العفو متى كانت السرقة قد وقعت على دراجة نارية، من دون أن تشمل السرقة التي تقع على أي مركبة برية أخرى! ويبدو التناقض في اعتبار الجرائم الواقعة على السيارات أخطر من الجرائم الواقعة على حياة الأشخاص، حيث يعفي القانون عن الجنايات المنصوص عليها في العديد من مواد قانون العقوبات، وتندرج ضمن محاولة القتل عن قصد أو غير قصد.
أما في المادة الخامسة، فيبدو النص متساهلاً في العفو عن الجرائم الإرهابية وذات الخطر الشامل، ليشمل العفو الاعتداء أو محاولة الاعتداء التي تستهدف إما إثارة الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي. ومن ناحية ثانية، فإن الاستثناءات هي لأجزاء محددة وغامضة من المواد 3 و5 من القانون الصادر في 11 كانون الثاني 1958، ولا تستثني إلا قتل المدنيين والعسكريين قصداً أو عمداً أو حالة التسبب بعاهة.

استثنى القانون العفو عن كل الجرائم الواقعة على المال العام مهما اختلفت توصيفاتها


وتأتي درّة الخلل في قانون العفو، في المادة السادسة، التي تستند إلى القانون الرقم 194 الصادر في 18 تشرين الثاني سنة 2011 «معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجؤوا الى إسرائيل»، فيما اقترح النائب جميل السيّد آلية عمل لتطبيق المادة السادسة. ويمنح مشروع القانون العفو للذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً، بمن فيهم عائلات المواطنين من ميليشيا جيش لبنان الجنوبي من زوجات (أو أزواج) وأولاد، عن جُرمي دخول أراضي بلاد العدو واكتساب جنسيته، شرط التنازل أو التخلّي عنها قبل عودتهم إلى لبنان. وهنا لا بدّ من ذكر الملاحظات التالية: يمثّل قانون العفو بصيغته الحالية سابقة في التشريع، حيث يتولى مجلس النواب استصدار قانون بمثابة مراسيم تطبيقية لقانون سابق. ثم إن القانون 194/2011، حدد مهلة سنة لعودة تلك العائلات، بينما النص الحالي لم يحدد أي مهلة لتلك العودة، ولا أي مهلة للتنازل أو التخلي عن الجنسية الاسرائيلية. كما أن اقتراح القانون الحالي سابقة في اعتراف السلطة التشريعية اللبنانية بالجنسية الاسرائيلية، وهو يعتمد لتطبيق نص تشريعي لبناني على مستندات رسمية صادرة عن بلاد العدو، تفيد بالتخلي أو التنازل عن الجنسية الاسرائيلية!
ولا يراعي النص المقترح حالة خضوع حاملي الجنسية الاسرائيلية، من الذين تطوعوا أو خضعوا للخدمة الإلزامية في جيش الاحتلال، علماً بأنه من شروط التنازل عن الجنسية الاسرائيلية تقديم أدلة الى الجهات المختصة، بخصوص تسوية الأمور مع سلطات جيش الاحتلال. كما أنه لا يراعي أوضاع اللبنانيين المتزوجين من إسرائيليين، سواء كان زوجاً أم زوجة، وتأثير ذلك على تطبيق القانون المذكور.

يبدو النص متساهلاً في العفو عن الجرائم الإرهابية وذات الخطر الشامل

وكذلك الأمر، بالنسبة إلى التنازل عن الجنسية، التي يعتبرها الاحتلال بمثابة تنازل فقط عن جواز السفر، ويمكن استعادته من أي قنصلية في الخارج!
وفيما ينص مشروع القانون على أن يتم تسجيل الأشخاص الذين ولدوا في فلسطين المحتلة، بحسب تواريخ ولادتهم، على أن يتم قيد مكان ولادتهم على أساس القرى أو المدينة التي يعود لها سجل قيد ذويهم. فهل سيتم تسجيل اسم الأم الاسرائيلية في سجلات النفوس؟ وماذا عن مكان الولادة؟ وماذا عن العلاقات والروابط العائلية والاجتماعية التي نشأت طوال هذه السنوات مع إسرائيليين؟
أما بشأن الجهات التي ستتولّى متابعة العودة، وتصنيف الراغبين، إن كان على مستوى الأجهزة الأمنية أو على مستوى القضاء، فإن التدخلات السياسية أثبتت أن ملف العملاء، كغيره من الملفات، خاضع لمزاج واعتبارات الجهة التي تتابعه. وأكبر مثالٍ على وجود ممارسات لا تراكم الثقة، هو ما حصل مع العميل عامر الفاخوري، والانقسام السياسي الذي حصل حول أبرز مرتكبي جرائم التعذيب في مرحلة الاحتلال. وبالتالي، لا بد من خلق أسس متينة في التصنيف تمنع الاستنسابية والتدخلات السياسية.