تميز لبنان منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، وصولاً الى تشرين الأول للعام 2019، بما فيها فترة الحرب الأهلية، بنظام نقدي منفتح كلياً على المعاملات مع الخارج، كما وحرية التداول داخلياً بالعملات الأجنبية ضمن القطاع المصرفي وخارجه. في الواقع، كان ولا يزال الجزء الأكبر من الودائع المصرفية بالدولار الأميركي. في 17 شرين الأول 2019، أدت السحوبات المتزايدة لهذه الودائع الى القيود المفاجئة التي فرضتها المصارف عليها، بالإضافة الى منع التحويلات الى الخارج. واللافت أن هذه القيود لم يعلن عنها رسمياً من جانب المصرف المركزي، بل ترك الأمر للمصارف التجارية لتطبيقها. وهكذا فجأة تخلى لبنان عن حرية نظامه في تداول العملات الأجنبية ليحل محلها تقييدات قاسية على تداولها.

الهدف المعلن لهذه الإجراءات هو الحد من استنفاد احتياطات العملة الأجنبية لدى المصرف المركزي، الضرورية للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية المرتبط بالدولار الأميركي. والجدير بالذكر أن المصرف المركزي كان قد لجأ سابقاً الى تعزيز احتياطاته بالعملة الأجنبية عبر ما وصف بالهندسات المالية هدفت الى حث المصارف التجارية على إيداع جزء كبير مما تحمله من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، وذلك بشكل استحقاقات متوسطة الأجل ذات فائدة مرتفعة. واستجابت المصارف.
إلا أن الضغوط المالية الناجمة عن عجوزات متواصلة في ميزان المدفوعات أضعفت قدرته للاستمرار في الدفاع عن سعر الصرف الرسمي كما في السابق. ومع حصره التعامل بسعر الصرف الرسمي في عمليات شراء لسلع ضرورية مستوردة محددة، برز سوق صرف مواز للعملات الأجنبية، حيث يتم التداول بالليرة خارج المصارف بسعر أقل بكثير مقارنة بالسعر الرسمي، وتبع ذلك ارتفاع متوقع في الأسعار.
إن الإجراءات التي اعتمدت في تشرين الأول وأدت الى خسارة فادحة للثقة في النظام المصرفي في لبنان وفي قدرة السلطات على التعامل مع الوضع المستجد، ستستمر تفاعلاتها على المستويات الوطنية السياسية، والاقتصادية والمالية لفترة طويلة متوقعة. في محاولة لسبر أغوار الأسباب الكامنة التي أدت الى حالة تشرين الأول والسياسات المطلوبة لتصحيح المسار، يجدر بنا الرجوع الى جذور المشكلة المالية التي أصبح يعاني منها لبنان، وهي باختصار النمو المتواصل والكبير لعجز الموازنة (خصوصاً ما يتعلق بالنفقات الجارية) في فترة ما بعد الحرب الأهلية، وتحديداً منذ 1993 مع كل تأثيراته السلبية على السياسة النقدية وغيرها، علماً بأنه جرت محاولات لتصحيح هذا المسار لم يكتب لها النجاح: مع نهاية عام 2019، وصل مستوى الدين العام الى 155٪ من الناتج المحلي وهي من أعلى النسب في العالم.
إن الفشل في كبح جماح عجز الميزانية المتزايد، مع ما رافقه من تعبيرات متعددة الأوجه، ومن ضمنها فساد مالي كبير في بعض الإدارات العامة ما هو إلا انعكاس لحوكمة مالية وسياسية تشوبها عيوب جسيمة عانى منها لبنان، على الرغم من بعض الجهود الإصلاحية التي لم يسمح لها بأن تتحول الى ممارسة عملية. وعلى خط مواز، ترافقت حالات العجز في الموازنات المتلاحقة بتواصل التسهيلات من قبل المصرف المركزي، الذي قام بالمقابل، كما ذكر آنفاً، باللجوء الى المصارف التجارية للتمويل المطلوب بفوائد مغرية، ما حوّل جزءاً كبيراً من مواردها الى مشروع غير منتج. في المحصلة، إن أي أوجه نجاح قد تكون حققتها سياسة المصرف المركزي في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، يقابلها خطأ عدم فرضه ضوابط على تمويل عجز الموازنات، مع ما رافق ذلك من تأثيرات سلبية على السياسة النقدية والأداء المصرفي.
لماذا لم يقدم أو لربما لم يستطع المصرف المركزي وضع هكذا ضوابط، فهذه مسألة منفصلة لا أودّ التطرق إليها في هذه السطور.
تخطط الحكومة الحالية (شكلت في 21 كانون الثاني 2020 والتي تكونت في معظمها من التكنوقراط) الى تطبيق إجراءات تهدف الى تحقيق استقرار في الوضع أو على الأقل منع المزيد من التدهور كمقدمة لانتعاش مأمول به. لكن، يبقى أن حجم المشكلة المالية هو كبير لدرجة أنه بغياب (حتى الآن) أي مساعدة كبيرة من الدول العربية الغنية بالنفط، قد لا تتمكن الحكومة من تحقيق أهدافها دون اللجوء الى مساعدات دولية أخرى، ومن ضمنها صندوق النقد الدولي.
يواجه هذا التوجه معارضة من قبل أحزاب تدعم الحكومة. رغم ذلك، فإن تفاقم الوضع المالي قد يجعلها غير معترضة عليه، شرط أن لا يؤدي ذلك الى ما قد تعتبره شروطاً غير مقبولة للاستدانة. وفي حال سعت الحكومة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، ستأتي أي مساعدة محتملة بكل تأكيد ضمن إطار المقاربة المعروفة للصندوق في مساعداته المشروطة. وهذا يعني أنه سيكون على السلطات اللبنانية أن تستعدّ جيداً لهذه المفاوضات، استناداً الى خطة إنقاذ وطنية مخطط لها بشكل جيد. والسؤال الذي يطرح نفسه مباشرة هو الآتي: ماذا سيكون محور هذه الخطة؟ يبدو لي أن السجل المالي للبنان بعد عام 1992 هو الدليل المناسب: يجب أن تركز الخطة على إجراءات مالية تعالج وتقارب العيوب الأساسية للسياسة المالية اللبنانية منذ ذلك الحين. وهذا بدوره سوف يسمح للسلطات بالتعاطي بنجاح مع نواقص للسياسة النقدية والممارسات المصرفية، وخاصة في السنوات الأخيرة.
لن أشير هنا الى تفاصيل الإجراءات المالية المطلوبة سوى القول إنه يجب أن تتضمن إجراءات تمكّن الحكومة من السيطرة بفاعلية على الفساد المستشري في القطاع العام والمقدر بمليارات الدولارات سنوياً، تخسرها الخزينة. سيشكل هذا الأمر تحدّياً كبيراً أمام الحكومة الجديدة، لكن محاربة الفساد كانت السبب الجوهري لوجودها بعد تظاهرات شعبية متواصلة أدت الى سقوط الحكومة السابقة.
بالمقابل، قد يقترح البعض اختيار الحل الأسهل، كاعتماد «hair cut» على الإيداعات المصرفية. علينا التنبّه الى أن هكذا خيار يؤدي الى ضرر ملازم، ليس فقط على سمعة القطاع المصرفي في لبنان ونظامه المالي، بل بصورة أكثر خطورة على الحوافز التي تدفع بالمواطنين الى إبقاء مدخراتهم في لبنان. قيل إن هذا الإجراء يستهدف أساساً المودعين الكبار. إلا أنه قد لا يكون مجدياً للاعتبارات الثلاثة الآتية: أولاً، إن لم تكن عتبة الـ«hair cut» مرتفعة بما فيه الكفاية، لنقل مليون دولار، فإن الطبقة المتوسطة ستتحمل العبء الأساسي له (وهؤلاء غالبيتهم من المهنيين، والمتقاعدين، وأصحاب الأعمال المتوسطة وغير ذلك)، وليس الأغنياء الكبار، ما سيؤدي الى عبء إضافي تشترك فيه مع الطبقات الأفقر؛ ولكن بالكاد سيؤثر على الطبقات الغنية. ثانياً، إذا كانت الطبقة الغنية هي المستهدفة، فالطريقة المثلى في جعلها تتحمل بشكل عادل كلفة التمويل يكون عن طريق فرض ضرائب الدخل التصاعدية وليس بواسطة فرض ضرائب عشوائية على المدخرات التي تؤمن تدفق الائتمان الى الاقتصاد الوطني. وثالثاً، يقال إن الحكومة ترغب في الحصول عبر الـ«hair cut» على جزء من الأرباح التي حققها التجار الاستغلاليون لتمويل برامجها. لكن من المرجح أن أرباحهم المتراكمة قد تم تحويلها الى استثمارات خارج الودائع المصرفية في لبنان. في كل الأحوال، يبقى أن موضوع الاستغلالية أكان لجهة الرفع المتعمّد للأسعار أم الاستفادة من مراكز النفوذ من الأفضل مقاربته من خلال خطة وطنية إصلاحية شاملة. باختصار، الإصلاح الجوهري للحوكمة السياسية وبالتالي المالية يشكل حجر الأساس للإصلاحات في مختلف السياسات الاقتصادية.
كلمة أخيرة، في حال قررت الحكومة أن تذهب الى صندوق النقد الدولي فإن الإجراءات الإصلاحية التي من المفترض أن يتقدم بها كشرط لتقديم المساعدة لن تكون بالضرورة محفورة بخط من ذهب ولا يمكن مناقشتها. وإذا كانت السلطات اللبنانية مستعدة وجاهزة بصورة جيدة، فسيكون هناك مجال للتفاوض المرضي ولبرنامج إنقاذي يرضي الطرفين.

* أستاذ جامعي ووزير سابق للاقتصاد