أمس، كانت الأعين شاخصة على قراءة التعميم رقم 536 الذي أصدره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، انطلاقاً من العبارة الورادة في مقدّمته: «حفاظاً على المصلحة العامة في الظروف الاستثنائية الراهنة التي تمر بها البلاد حالياً وحفاظاً على مصلحة المودعين بعدم انتقاص ودائعهم المصرفية». حرص سلامة على مصلحة المودعين مناقض لمضمون التعميم الذي بُني في الأصل، على فرضية وجود قيود على سحب الأموال وتحويلها الأموال إلى الخارج، ما أتاح لسلامة التدخّل لتحديد أسعار الفائدة في سوق يزعم هو وكثر سواه، بأنها تقع في اقتصاد حرّ حيث السوق يحدّد أسعار الفوائد. فلماذا لم يتخذ سلامة قراراً كهذا في الاشهر الماضية أو في السنوات الماضية التي عمل خلالها على تنفيذ هندسات مالية بكلفة باهظة مصمّمة لزيادة أرباح المصارف؟ كذلك، يظهر التناقض من خلال تضمين التعميم اقتطاعاً مباشراً لفوائد المودعين بعد مساواة كل شرائحهم ببعضها البعض بعيداً عن أي عدالة، بالإضافة إلى تحصيل هذه الاقتطاعات لحساب المصارف التي ستودعها في أرباحها، وتحويل نصف الفوائد المدفوعة على ودائع الدولار إلى الليرة اللبنانية التي بات سعر صرفها الوسطي عند الصرافين 2020 ليرة مقابل كل دولار. بعبارة أوضح، أولوية إنقاذ المصارف دفعت سلامة إلى تنفيذ عملية «هيركات» لتمويل أرباح المصارف من فوائد المودعين ومن فوائد شهادات الإيداع والودائع لدى مصرف لبنان التي أبقيت معدلاتها بلا خفض. يا ترى هل ستكون الخطوة التالية إعادة هيكلة الدين بشروط ملائمة للمصارف ولكبار المودعين؟


(هيثم الموسوي)


مزاعم الاقتصاد الحرّ
رغم كل مزاعمه عن الاقتصاد الحرّ الذي يحدّد فيه السوق سعر الفائدة، تَدَخّلَ مصرف لبنان أمس لتحديد أسعار الفائدة بشكل مباشر وصريح نصّ عليه التعميم 536 كالآتي:
- يقوم مصرف لبنان استثنائياً بدفع فوائد شهادات الإيداع بالدولار الأميركي المصدرة منه والتي تملكها المصارف العاملة في لبنان بنسبة 50% بالدولار و50% بالليرة.
- على المصارف العاملة في لبنان التقيّد بالحدّ الأقصى لمعدل الفائدة الدائنة على الودائع التي تتلقاها أو تقوم بتجديدها بعد تاريخ 4/12/2019 كما يلي: 5% على الودائع بالعملات الأجنبية، و8.5% على الودائع بالليرة.
- تبقى شروط الودائع كافة المتلقاة من المصارف العاملة في لبنان قبل تاريخ 5/12/2019 خاضعة لما سبق وتم الاتفاق عليه بين المصرف المعني وعملائه وذلك لغاية استحقاقها. ويتم تسديد الفوائد على الودائع بالعملات الأجنبية وفقاً لما يلي: 50% بعملة الحساب، و50% بالليرة اللبنانية.
- يعمل بأحكام هذه المواد لمدّة ستة أشهر من تاريخ صدورها.
- على المصارف العاملة في لبنان أن تعكس خفض معدل الفوائد الدائنة الناتج عن تطبيق أحكام هذا القرار في احتساب معدلات الفوائد المرجعية لسوق بيروت (BRR).

اختبار للـ«هيركات»
«لأنه لم يعد ممكناً القيام بعمليات التحويل بعدما تحوّل النظام المصرفي إلى حلقة مغلقة معزولة عن الخارج، وبسبب فقدان الأمل باجتذاب أموال من الخارج، بات يمكن خفض أسعار الفائدة كيفما نشاء». هذا هو الاستنتاج الأولي للأمين العام لحركة مواطنون والمواطنات شربل نحاس في قراءة التعميم 536، إلا أنه ليس استنتاجاته الأساسية التي يمكن تفصيلها على النحو الآتي:
- هو إقرار واضح بأن النموذج الحالي بات مفصولاً عن الخارج، أي موت النموذج الذي يتغذّى على التدفقات من الخارج. كل ما ورد لاحقاً في مضمون التعميم لم يكن ممكناً من دون هذه النقطة بالتحديد وهو يعدّ من نتائج عملية الفصل.
- التعميم يُخضع الودائع التي تستحق آجالها لمعدلات فائدة جديدة، وهذا يسري على كل الاستحقاقات اللاحقة التي ليس لديها مخرج آخر في ظل القيود على التحويل إلى الخارج، ولو أن التعميم لم يتدخّل لتعديل عقود الودائع القديمة، إلا أنه كان واضحاً لجهة أن العقود الجديدة كلّها ستكون على هذا المنوال.
- خفض معدلات الفائدة إلى النصف أو أكثر قليلاً، وتحويل نصف مقبوضات الفائدة سواء بالنسبة لعلاقة المصارف مع مصرف لبنان أو لعلاقة الزبائن مع المصارف، هو كناية عن اختبار لعملية قصّ الودائع، إذ أنه في ظل القيود الحالية لا شيئ يمنع من تحويل كافة مقبوضات الفائدة على ودائع الزبائن، أو على ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، ولا شيئ يمنع أيضاً أن تصبح معدلات الفائدة سلبية ما يطاول أصل هذه الودائع.
- لم يعد أحد يسأل عن العدالة في التوزيع، بل أصبحت عملية الاقتطاع من الفوائد «هيركات» استنسابية وبأهداف واضحة.
- هذا التعميم وما سبقه، صدرت بهاجس أساسي: كيف يمكن ألا تخرج الدولارات من احتياطات مصرف لبنان. ألا يعدّ هذا الأمر مؤشّراً على مستوى هذه الاحتياطات وقدرة مصرف لبنان على مواجهة الأزمة؟

ضرب المدخرات
إذاً، انتقل سلامة من القيود الاستنسابية التي شجّع المصارف على اتخاذها في مواجهة المودعين، إلى قيود أكثر تنظيماً و«مقوننة» بتعميم واضح من مصرف لبنان يوسّع القيود لتشمل الفوائد وعملة تسديدها إلى جانب عمليات السحب والتحويل. قد لا يحلو لكثيرين تسمية هذا الأمر «هيركات» إلا أنه أمر واضح لكل المتخصصين. بعضهم أجرى حسابات على آليات التعميم والودائع خلصت إلى الآتي:
- لم يخفض سلامة الفوائد على شهادات الإيداع وعلى ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، ما ترك هامشاً واسعاً من الربح للمصارف التي ستخفض كلفة الودائع بشكل ملحوظ وخلال بضعة أشهر. وإذا أخذنا في الاعتبار تعميم سلامة الذي يفرض على المصارف زيادة رساميلها من خلال مقدمات نقدية بالدولار بنسبة 10% قبل نهاية هذه السنة و10% قبل نهاية حزيران من السنة المقبلة، والذي رفضت بعض المصارف الالتزام به وأبلغت سلامة هذا الأمر، يمكن الاستنتاج بأن مصرف لبنان قد يوافق على أن تكون زيادة الرساميل من خلال الأرباح الإضافية التي ستجنيها المصارف من الأموال التي ستوفّرها بعد خفض ودائع الزبائن، أي إن زيادة الرساميل ستكون مموّلة بأموال الزبائن بدلاً من أن تكون ممولّة من المساهمين.
- الطبقة التي بنت ثروات من ريوع الفوائد ستحظى بخفض على الفوائد مساوٍ لباقي الطبقات رغم الفوارق الكبيرة. (بحسب صندوق النقد الدولي، إن 0.1% من الحسابات المصرفية تستحوذ على 34 مليار دولار، و1% من الحسابات - أي 16000 حساب - تستحوذ على 85 مليار دولار أو ما يوازي 50% من الودائع، في مقابل 60% من الحسابات تستحوذ على 0.5% من الودائع). خفض المستوى على الطبقة الأكثر ثراء في المجتمع يشكّل دعماً مستتراً لها على حساب الطبقات الأدنى الممثلة بصغار المودعين الذين يموّلون معيشتهم من هذه الفوائد بعدما تقلصت قدراتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار.
شربل نحاس: ما الذي يمنع أن تصبح معدلات الفائدة «سلبية» في الأيام المقبلة؟


- بما أن مصرف لبنان سيدفع 50% من الفوائد بالليرة، فإن هذا الأمر يعدّ «هيركات» ضمني يساوي ثلث الفوائد قياساً على سعر صرف الليرة لدى الصرافين والبالغ 2020 ليرة. وبما أن المصارف تفرض على الزبائن، بشكل غير قانوني، أن تسحب من أموالها المودعة بالدولار، بالليرة اللبنانية، ما يعني خفضاً إضافياً في قيمة العملة واقتطاعاً غير مباشر من القدرة الشرائية... استناداً إلى هذه الحسابات فإن حجم الخسارة اللاحقة بودائع الزبائن قد يصل في السنة إلى 7% من أصل المبالغ، وهذا على افتراض أن سعر الليرة في السوق الموازية بقي عند هذه الحدود.
- خلافاً لفرض خفض الفوائد على الودائع، قرّر مصرف لبنان أن يترك هامشاً واسعاً للمصارف بأن تعمل على خفض الفوائد على القروض وربط الأمر بصدور الفائدة المرجعية لسوق بيروت الذي تعدّه جمعية المصارف. هذا يعني أن المصارف سيكون لديها متّسع من الوقت للتفاوض مع الزبائن على تسديد قروضهم مقابل خفض فائدتها، ومن لا يمتثّل لها ستبقى فوائده سارية إلى ما شاء الله. أما الأسوأ في هذا الشأن، أن غالبية عقود القروض لا تتضمن أصلاً ربطاً للفائدة بالفائدة المرجعية المذكورة، ما سيبقي المقترضين رهائن بين أيدي المصارف.



خفض الفائدة هو «هيركات»
ورد في «الأخبار» (ملحق «رأس المال») في 18 تشرين الثاني 2019 مقال بعنوان (استعادة السيطرة على الدّين وإعادة توزيع الثروة: ضرورات الـ«هيركات») تعريف لعمليات الاقتطاع من الودائع والسندات أو ما يسمى «هيركات»، يشير إلى أن خبراء دوليين يدرجون خفض معدلات الفوائد من ضمن آليات الاقتطاع: «يقول كريستوف سكرودر في ورقة عمل أعدّها للمركز الأوروبي للبحوث الاقتصادية في نهاية 2014، إن عمليات الـ«هيركات» تعني خفضاً في القيمة الحالية، سواء جرى هذا الأمر عبر شطب الفرق بين القيمة السوقية وقيمة الإصدار، أم عبر إطالة الآجال، أم خفض معدلات الفائدة».