خلال السنة والنصف السنة الأخيرة، أخذت مسألة راتب رئيس مجلس الإدارة المدير العام لأوجيرو، عماد كريدية، حيّزاً واسعاً من النقاش خلص إلى ادّعاء المدعي العام المالي علي ابراهيم عليه بتهمة الإثراء غير المشروع. يثير هذا الأمر سؤالاً أساسياً عن وضعية سلفه عبد المنعم يوسف الذي كان يشغل ثلاث وظائف في القطاع العام في وقت واحد، ويتقاضى أكثر من راتب من القطاع العام، من دون أن يكتفي بذلك، إذ طالب بالحصول على تعويض نهاية خدمة من أوجيرو خلافاً للقانون بقيمة 434.9 مليون ليرة، علماً بأنه لا يزال يتقاضى راتباً شهرياً بصفته مديراً عاماً في الفئة الأولى موضوعاً بتصرّف مجلس الوزراء.

في 19/1/2017 عُزل يوسف من مواقعه الثلاثة التي كان يشغلها، أي مديراً عاماً أصيلاً في المديرية العامة للاستثمار والصيانة، ومن رئاسة مجلس إدارة أوجيرو، ومن المدير العام لهيئة أوجيرو اللتين شغلهما بالوكالة لفترة 12 سنة إلا بضعة أشهر. استمرّ في هذه المواقع الثلاثة منذ 28/10/2005، فيما كان مرسوم تعيينه غريباً جداً عن القطاع العام. فهو عيّن «رئيساً ومديراً عاماً بالوكالة لمدة سنة لهيئة «أوجيرو» مع احتفاظه بمهام وظيفته الأصلية طيلة مدة تعيينه بالوكالة، وذلك أثناء غياب الموظف الأصيل أو شغور الوظيفة» بحسب المرسوم 15575.
في غضون تلك الفترة، كان يوسف يتقاضى راتب المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات ويتدرّج في هذه الوظيفة إلى أن بلغت قيمة راتبه الشهري 6 ملايين ليرة، وتقاضى أيضاً راتب المدير العام لأوجيرو الذي دسّت ضمنه تعويضات رئيس مجلس الإدارة ليتضخّم بشكل هائل. ففي نهاية خدمته، بلغ متوسط راتبه الشهري في أوجيرو 12.8 مليون ليرة موزّعة على أساس راتب أساسي، مضافاً إليها بدل تدرّج و50% بدل اختصاص. كذلك حصل من أوجيرو على 200 ساعة عمل إضافية شهرياً بمتوسط قيمته 21.6 مليون ليرة، وعلى منحة إنتاج سنوية بقيمة إجمالية تبلغ 50 مليون ليرة سنوياً بمعدل 4.2 ملايين ليرة شهرياً.
مجمل المدفوعات الشهرية من أوجيرو بلغت 38.7 مليون ليرة شهرياً، فيما مجمل المدفوعات من المال العام ليوسف بلغ 44.7 مليون ليرة شهرياً.
وبعد وضعه في التصرّف، وجّه يوسف طلباً لـ«أوجيرو»، مسجّلاً تحت الرقم 2212/هـ أ، يشير فيه إلى المماطلة في صرف تعويض نهاية الخدمة المستحق له والذي عولج لتبلغ قيمته 434.9 مليون ليرة. وبعد بضعة أشهر، وجّه مطالبة «إعادة تذكير ثانية»، يشير فيها إلى أنه «لم يتم إبلاغنا منذ تاريخ انتهاء خدماتنا ولغاية تاريخ اليوم، عن وجود أي سبب أو عائق من أي نوع كان يبرّر تأخير احتساب وتصفية وصرف هذه التعويضات».
سبب تأخّر «أوجيرو» في صرف التعويض، أنه تبيّن لها وجود خطأ جوهري يعتري معاملة تصفية التعويض لجهة كون يوسف لا يزال مديراً عاماً موضوعاً بتصرف مجلس الوزراء، أي أنه لا يزال يتقاضى راتب مدير عام من وزارة الاتصالات، وأن حصوله على تعويض نهاية خدمة أمر غير واقعي في ظل وجود مواد في قانون الموظفين تمنع تسديد مثل هذا التعويض، فضلاً عن أن مرسوم تعيينه فيه الكثير من الالتباس بشأن موظّف يعمل في أكثر من وظيفة لدى الدولة اللبنانية.
في ضوء هذه المعطيات والشكوك، أحالت أوجيرو الملف على هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ومجلس الخدمة المدنية كونه موظفاً في القطاع العام، لاستشارتهما بشأن التعويض ولبتّ مطالبته. دراسة مجلس الخدمة المدنية كانت واضحة وانطلقت من مسألة تعيين يوسف بالوكالة لسنة واحدة، فأوضحت أن التمديد الأول لتعيين يوسف في «أوجيرو» رئيساً ومديراً عاماً بالوكالة، كان لسنة واحدة فقط، وبعدها جرى التمديد بناء على طلب من الأمين العام لمجلس الوزراء الذي «رأى أن تستمرّ الهيئة في عملها إلى حين تعيين هيئة جديدة أو إلى حين تأسيس شركة اتصالات لبنان». كذلك قال مجلس الخدمة إن المادة الثالثة من القانون الرقم 21/72 المتعلق بإنشاء هيئة لإدارة واستثمار منشآت وتجهيز راديو أوريان المنتقلة إلى الدولة اللبنانية (أوجيرو)، والمتعلقة بشروط تعيين المدير العام تنصّ على أنه «إذا كان المدير العام أو المدير المطلوب تعيينه من موظفي الإدارات العامة أو المؤسسات العامة أو البلديات، فيشترط أن يكون منتمياً إلى إحدى الفئتين الأولى أو الثانية في الإدارات العامة أو ما يماثل هذه الفئة في المؤسسات العامة أو البلديات وأن يوضع من أجل ذلك خارج الملاك، وفي هذه الحالة لا يحق له أن يتقاضى أي تعويض صرف من موازنة الهيئة عند انتهاء خدماته فيها».

لا يزال يوسف يتقاضى راتباً شهرياً بصفته مديراً عاماً موضوعاً بالتصرف


ويشير المجلس إلى أن نصّ هذه المادة يكرّس قاعدة عامة نصّت عليها المادة 50 من المرسوم الاشتراعي 112، كما أن تعيين يوسف تمّ من دون مراعاة المادة 3 من القانون 21/72 لجهة وضعه خارج الملاك من دون أن يطعن بتعيينه أحد. لكن «اقتضاء التعيين في الحالة الراهنة واعتبار المرسوم بمنأى عن الطعن… ليس من شأنه تعطيل سائر أحكام المادة الثالثة المذكورة… وهو النص الواجب تطبيقه على القضية المطروحة». وأوضحت أن وضعه في التصرف يعني أنه لا يزال «من المنتمين إلى الملاك الإداري العام والذين تترتب لهم حقوق عند انتهاء خدماتهم في هذا الملاك»، لذا يرى المجلس «عدم جواز تقاضي صاحب العلاقة (يوسف) تعويض نهاية خدمة أو تعويض صرف من موازنة أوجيرو».
أما هيئة التشريع والاستشارات، فقد خلصت إلى أنه في «ضوء الأوراق المبرزة راهناً، يتعذّر على الهيئة التثبت بالشكل الذي لا يرقى إليه الشك من كون تعيين يوسف في أوجيرو بالوكالة مستوفياً أو غير مستوفٍ لشروط التعيين».