كلّ تفصيل إضافي نسمعه عن سلوك أهل السلطة في الملفّ الحكومي يؤكّد، مرة جديدة، أن هؤلاء ليسوا في وارد التنازل الجدّي، بل يفكّرون في شكليات يعتقدون بأنها تناسب ذوق الجمهور. البحث عن رئيس جديد للحكومة، أو عن وزراء، يجري على قاعدة الإبقاء على جوهر المقاربات والسياسات نفسها، مع البحث عن طريقة لاستهبال الناس والاعتقاد بأن تغييراً في أسماء وزراء والإتيان بحزبيين مقنّعين بدل آخرين مكشوفي الوجوه، من شأنه إقناع الشارع بوقف غضبه، علماً بأنه يمكن للسلطة أن تقول كلاماً واضحاً حول ضرورة التمثيل السياسي في أي حكومة، على أن تبحث في برنامج العمل وفي الأهداف، وهو ما لا يجري مطلقاً.

أكثر من ذلك، يبدو من النقاش أن القوى الرئيسية لا تزال تتصرّف على أن ما حصل في الشارع لا يُلزمها بتغييرات كبيرة. لذلك، يتردد في مداولات تشكيل الحكومة كلام عن تمسك التيار الوطني الحر بحقائب معينة، وحتى بوزراء حاليين. والحال نفسها بالنسبة إلى الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، فيما تعتبر القوات اللبنانية أنها حققت نجاحات حيث انتشر وزراء التكنوقراط، وتريد مزيداً من هذا الصنف. أما حزب الله فلا يظهر حماسة للضرب على الطاولة وإلزام اللاعبين حوله بضرورة مغادرة هذه العقلية، بل يبدو مهتماً بتقليص مسافة الخلافات بين القوى المفترض بها تشكيل الحكومة ولو على حساب البرامج، علماً بأن الرئيس سعد الحريري الذي يعلن عزوفه عن ترؤس الحكومة الجديدة، يتصرف على أنه الرئيس الفعلي للحكومة ولو من خلف الستار، ويتشاطر في طرح أفكار على المرشحين الآخرين تمثل طموحاته، إلا إذا كان الحريري ــــ كما يعتقد البعض ــــ في حالة أسر، وسجيناً بقرار أميركي ــــ سعودي، لكن في بيروت لا في السعودية.
مطالب الحريري تتركز على سبل عدم إحداث أي تغيير. ففي توصياته للمرشحين أنه لا يمكن الموافقة على إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو قائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير المخابرات العميد طوني منصور أو قيادة قوى الأمن الداخلي، ورؤساء بعض المؤسسات العامة مثل مجلس الإنماء والإعمار والميدل إيست وغيرها. فيما يشدّد في المقابل على ضرورة إبعاد ممثلي حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل عن وزارات أساسية، ولا ينسى تشجيع المرشحين لخلافته على انتزاع تعهّد بإجراء انتخابات نيابية مبكرة خلال ستة أشهر.
كل هذا ــــ وتفاصيل أخرى أكثر مأسوية تتعلّق بمقاربة الأزمة المالية والنقدية ــــ يدل بصورة مباشرة على أن من في السلطة ليس في وارد التغيير. فهذه السلطة لو كانت مهتمة أصلاً بمنع الانهيار، لكانت عدّلت في سياسات المحاصصة التي اعتمدتها منذ توقف الحرب الأهلية. وبالتالي، من المفترض باللبنانيين عموماً، وقوى الحراك الوطنية الساعية الى تغييرات جوهرية، لا الى احتلال مقاعد في السلطة، ألّا يراهنوا على تغييرات جوهرية مقبلة. ما يعني أن أي حكومة ستتشكّل لن تلبّي الحد الأدنى من الطموحات. لكن السؤال الذي سيطرح أمام الحراك هو: كيف نواصل الضغط من أجل التغيير الجدي؟ وكيف نجذب قوى اجتماعية وشعبية أكبر نحو الحراك لخلق نمو متين في جسم الحراك، لا البقاء في دائرة النفخ الجارية الآن؟
إذا كان كبار البلاد في السلطة على هذه الحال، فكيف يتصرف بقية «الكبار» من أهل البلاد، أي كبار السلطة المالية والنقدية بكل أركانها، وكبار المؤسسات الدينية الغنية، وكبار القوم من الأغنياء والمتمولين؟
التبسيط يساعد كثيراً في فهم الغاية من العمل المطلوب. والتبسيط يقول إن لبنان يواجه مشكلات كبيرة؛ أبرزها، اليوم، الملف المالي والنقدي. والمشكلة هنا أيضاً بسيطة لناحية التوصيف: هناك عجز مالي كبير في الموازنة العامة للدولة، وهناك دين كبير جداً على الدولة، ودين كبير على المواطنين للمصارف، وعجز كبير في الميزان التجاري، وعجز أكبر في ميزان المدفوعات. وهناك نقص في سيولة المصارف بالعملات الأجنبية، وشكوك حول قدرة القطاع المصرفي على ضمان ودائع المواطنين، وتراجع سريع في قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، ونقص تدريجي في قدرة الناس على الإنفاق العادي، وتراجع في القوة الشرائية لمداخيلهم، وهذا يؤدي الى تراجع في الاقتصاد وفي عمل القطاعات كافة، ويقود الى تقليص المداخيل وتراجع القدرة على توفير وظائف، ومن ثم إغلاق لمؤسسات وزيادة نسبة البطالة... الخ!
هذا أمر ليس بسيطاً على الإطلاق. لكن علاجه، في هذه اللحظة، يتطلب من كبار السلطة الموازية، المالية والاقتصادية والدينية، المبادرة الى تحمل المسؤولية. والمبادرة تستوجب منهم التنازل عن جزء مما جمعوه خلال ثلاثين سنة وأكثر من أموال وقدرات وأملاك بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة. وهذا التنازل إما أن يحصل طوعاً، وإما أنه سيحصل عملياً بسبب الأزمة!
ببساطة أكبر، يجب أن يتخلى كبار المودعين، الذين نمت ودائعهم جراء السياسات النقدية وبرامج الفوائد، عن جزء حقيقي ووازن من هذه الثروات لتقليص حجم الدين العام على الدولة.
وببساطة أكبر، أيضاً، يجب إلزام كبار المالكين بدفع بدلات ضريبية على ما يملكون أو ما تملّكوه، سواء بفعل أعمال المضاربة العقارية أو بفعل تراكم الثروات غير الواضحة المصدر، من أجل تغذية الخزينة بما يقلّص قيمة العجز.
ببساطة أكبر، يجب على الشركات الكبيرة، مالية أو تجارية أو خلافه، أن تقلص حجم أرباحها بما يقلّص كلفة الاستهلاك العام على الناس، وبالتالي، على هذه الشركات أن تقبل بتعديلات جوهرية في طريقة عملها، وهو أمر سينعكس حكماً على واقع أصحابها ومالكيها،
ببساطة أكبر، يجب على المرجعيات والمؤسسات الدينية (أوقاف وخلافه) أن تدرك أن ما تملك باسم الله يجب أن يعود إلى الناس. وعودته الى الناس ليس وفق هوى هذه المرجعيات، حتى لو قررت أن تمنحه لرعاياها دون غيرهم. هذه المرجعيات تملك ثروة عقارية ومالية كبيرة، واستثمارات مالية وتجارية كبرى، وجيشاً من العاطلين عن العمل يجري تمويه توصيفهم بدور الراعي والمبشّر والمبلّغ. وإذا كان هناك من مدخل لتعديل الواقع الاجتماعي للناس، فإن لهذه المرجعيات دورها الأساسي الإلزامي، وهو أمر لا يتمّ من دون تعديلات في القوانين الراعية لعمل هذه المرجعيات التي تتصرّف عملياً على أنها فوق القانون وفوق المؤسسات والسلطات.

مطالب الحريري: الابقاء على سلامة وجوزيف عون ورؤساء الأجهزة والمؤسسات العامة التابعين له


ببساطة أكبر، يجب على السلطة، أيّ سلطة حكيمة، أن تبادر الى التعامل مع ملف الدَّين العام بطريقة مختلفة، وأن تبادر الى خطوات سلبية باتجاه دائنين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حكومات، تقوم على أساس وقف خدمة هذا الدين، والتفاوض لتقليص المتوجبات مهما كانت الكلفة، علماً بأن البعض يتحدث كثيراً عن مصادرة أملاك الدولة خارجياً وملاحقتها قضائياً داخلياً.
وببساطة أكبر، من المفيد تذكير أصحاب المصارف وكبار المساهمين، وحتى كبار المودعين الذين يتحوّلون مع الوقت الى مساهمين ولو من دون عضوية، المبادرة من تلقاء أنفسهم الى مساعدة الناس على تحمل كلفة الأزمة، وأن يتم شطب الكثير من الديون، وخصوصاً المتعلقة بالتعليم والسكن الصغير والطبابة والمشاريع الإنتاجية الصغيرة الحجم، وهو شطب يجب أن يفهم من قبل أصحاب المصارف وكبار المساهمين وكبار المودعين على أنه خطوة تضامنية عادلة، لا مقابل لها سوى استعادة الاستقرار العام ومنع الانهيار الذي سيصيب عائلات كثيرة لو ألزمت على سداد هذه الديون مع تراجع المداخيل وتراجع القدرة الشرائية لمداخيلهم.
نحن أمام مشكلات متنوعة، والكل يعرف أن من الواجب إعادة النظر في واقع القطاع العام. ولكن، كل آلية لـ«تطهير» القطاع العام ومؤسساته، من الفاسدين أو العاطلين، أو الذين وظّفتهم مرجعيات ولا يحترمون واجبهم في العمل، يجب أن تأخذ في الحسبان أن تعاظم جيش العاطلين عن العمل سيتحوّل عبئاً على البلد كله، وليس على فئة دون غيرها. لكن اللبنانيين، الذين يعانون من شراهة القطاع الخاص، لن يتعايشوا طويلاً مع كسل قسم من القطاع العام وغياب الجدوى منه.
مرة جديدة، الأزمة لن تحلّ بحكومة كالتي يجري العمل على تشكيلها، ولن تحل بفوضى الشعارات عند لصوص الحراك من جماعة أميركا والقوى السلطوية. الحلّ لن يكون من دون مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية كبيرة وصعبة ستفرض سلوكاً جديداً على الناس، قد يدفعهم الى اكتئاب وإحباط، لكنه السلوك المتناسب مع واقعهم الحقيقي، وليس مع واقعهم الافتراضي.