ردّ الشارع بمسيرة احتجاجيّة أمس، على ما اعتبره «تعطيل الهيئات الاقتصادية والمصارف لمصالح عامة الشعب»، عبر إضرابهما المزعوم. تراجع الهيئات الاقتصادية عن إعلانها الإضراب (من أمس الخميس إلى السبت) وعدم تبنّي جمعيّة المصارف له، لم يمنع المحتجّين من الاستمرار بمسيرتهم بعنوان «وجهان لعملة هابِطة». والوجهان يشيران إلى الهيئات الاقتصادية برئاسة الوزير محمّد شقير والمصارف بقيادة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهما الطرفان اللذان «تهرّبا من تحمّل مسؤولية نتائج عقودٍ من النهب والفساد، والاستمرار بتمرير مصالح كبار المودعين حتى في ظلّ الأزمة»، بحسب الدعوة.

انطلقت المسيرة بعد ظهر أمس، من أمام جمعيّة المصارف (الجمّيزة) مروراً بغرفة التجارة والصناعة والزراعة (الصنائع)، لتنضمّ إلى تجمّع آخر نُظِّم أمام المصرف المركزي (الحمراء). تحوّل التجمّع إلى تظاهرة حاشدة، تمكّن المحتجّون خلالها من إزالة السياج والدخول إلى باحة المركزي، حيث احتشد عناصر مكافحة الشغب مانعين إيّاهم من التقدّم. المتظاهرون رفعوا الصوت ضدّ سياسات حاكم المصرف معترضين على ارتفاع سعر الدولار إلى أكثر من 2300 ليرة. وردّدوا هتافات «الدولار بـ2 ونص، رياض سلامة واحد لصّ»، و«بدنا ضريبة عالأرباح، عالمصرف مش عالفلّاح»، و«إرفع سور المصرف علّي، بكرا الثورة تشيل ما تخلّي»، و«التأميم هوي الخلاص، العين بالعين والراس بالراس» و«تِسلم إيدَك علي شعيب!».
محاولة الهيئات الاقتصادية والمصارف «التهرّب من مسؤوليتهما في ما وصلنا إليه، عبر الإغلاق والتعطيل لن يمرّ» وفق الصحافي المشارك خضر سلامة، والتحرّكات أمام المصارف «حطّمت بفترة قياسيّة الهالة التي أحاطت بالحاكم على أنه صاحب الفضل في استقرار الليرة». المشكلة برأيه، أبعد من شخص الحاكم وهي «في عقيدة اقتصاديّة يمثّلها ويعمل كمحامي دفاع عنها وفي عدد من القوانين المطبّقة»، والتحرّكات تهدف إلى «إقناع السلطة بتغيير نظام اتّبعته منذ إقرار السريّة المصرفيّة». تجربة الأهل مع انهيار الليرة وخسارتهم قيمة ودائعهم وتعويضات نهاية الخدمة هو سيناريو لا يريد المحتجّون تكراره، كما يرفضون «تحمّل صغار المودعين نتائج الانهيار، وتطبيق أي إجراء مثل قصّ الودائع، قبل الكشف عن الحوالات الكبيرة في الأشهر الماضية وإلحاقها بالعمليّة».

تمكّن المحتجّون من إزالة السياج والدخول إلى باحة المركزي حيث احتشد عناصر مكافحة الشغب


أُتبعت التظاهرة بنقاش مع الزميل محمّد زبيب حول الوضع المالي ودور الهيئات الاقتصادية، فنّد خلاله استحقاقات لبنان الماليّة وقرار المركزي تولّي الدفع عن الحكومة للدائنين. زبيب تنقّل بين أسباب فشل النموذج اللبناني، متوقّفاً عند أسباب عجز الميزان التجاري الذي يسجّل «3 مليارات صادرات، مقابل 17 ملياراً واردات»، وسوء الوضع المالي «المختلف عن انهيار الليرة خلال الحرب، إذ كانت الواردات في السبعينات والثمانينات تغطّي خمسين بالمئة من العجز». السياسات البديلة التي لا تريد الدولة اتباعها يمكنها وقف نزف الدولارات، مثل «إنشاء نظام نقل عام جدّي، يلغي نصف الفاتورة المدفوعة على استيراد البنزين التي تفوق الملياري دولار وفاتورة استيراد السيارات وقطعها المقدّرة بمليار دولار... ويوفّر من الإنفاق على الفاتورتين الصحيّة والبيئيّة». كذلك «تكبح الدولة صناعة الأدوية المحليّة وتمنع تصنيع الأدوية الرديفة عبر تكيف حملات التفريق بين جودة الدواء الأصلي والجنريك على عكس دول العالم، فيما تستورد أدوية بنحو مليار و600 مليون دولار سنوياً»، علماً أن هذه الصناعة «يمكنها تخفيض نصف فاتورة استيراد الدواء وتشغّل الاختصاصيّين من الشباب وتمنع هجرتهم». الانتفاضة فضحت «سلطة تعتقد أنه يمكنها حلّ الأزمة عبر الاستمرار بعملية تبويس اللحى والاستدانة»، والوهّم «بأن الطبقة الأوليغارشية تريد تغيير النظام»... في حين أن «بناء مجتمع حقيقي يتفاعل مع حاجاته ومصالحه يحتاج نموذجاً نقيضاً للنموذج اللبناني على المستويين السياسي والاقتصادي». فالنموذج الاقتصادي «توقّف قلبه وتحوّل إلى زومبي يقتات من الأحياء الباقين في البلد ومن فرصهم بالحياة».