لم تنهِ مسيرة نساء عين الرمانة والشياح، أمس، مفاعيل الإشكالات والاستفزازات المتنقّلة في اليومين الماضيين بين عدد من المناطق، ولا إمكانيّة تجدّدها. مخطئ من يعتقد ذلك، أو من يحمّلها أبعاداً في بلد يمكن في أي لحظة أن تجتاح الرؤوس الحامية فيه الشوارع. ولكن، بعيداً من «فولكلور» الوحدة الوطنيّة، أعادت المسيرة إلى الأذهان مشاهد من أيام الانتفاضة الـ 42، عندما شكّلت النساء اللواتي كنّ في المقدمة دائماً دروعاً سلميّة في أكثر اللحظات توتراً.

المسيرة، كما الانتفاضة، أكّدت أن النساء لن يستسلمن للدور الاجتماعي المفروض عليهنّ ولن يجلسن منتظرات عودة أولادهنّ من حروب شوارع قد تبتلعهم إلى الأبد لأنهنّ لم يشفينَ بعد من عمق الجرح الذي خلّفه الانتظار في نفوسهنّ خلال الحرب وبعدها. لذلك، كادت المرأة ذات الشعر الرمادي أن تصاب بنوبة وهي تتحدّث عن بشاعة الحرب التي اندلعت حين كانت ابنة 19 عاماً. تضرب على صدرها وهي تتذكّر مشهد ليل الثلاثاء «كيف تضارَبوا! المشهد بيطلعِك بلا عقل». لا تريد أن تصدّق أن شباناً «لم يذوقوا طعم الحرب» يأتي من «يجيّشهم» بمنتهى البساطة، فيما وجعها لم ينطفئ بعد عقدين من انتهاء «اللعينة»، ولا يزال لديها «وجع من نص قلبي على بلد سأورثه لأولادي وأحفادي». الأمّهات رفعن، أمس، لافتات ضدّ «المتاريس، المحاور، الحرب الأهليّة، العنف، الطائفيّة وطبول الحرب»، مقابل «سلميّة، مدنيّة، والوجع واحد». كرّرن النشيد الوطني ورفعن عالياً وروداً بيضاء وأضأن الشموع. «ما فيش رصاص في ورد»، تنادي الصبيّة وهي توزّع الورود على ما كان يعرف سابقاً بخطّ التماس. بين المشاركات نساء من خارج عين الرمانة والشياح لأن «كلنا أمّهات، ونودّ الحفاظ على سلميّة الثورة ونخاف على أولادنا». التحقت «أم علي» بالمسيرة مع حفيدتها، مسرورة بأنّها منعت أبناءها الخمسة من مغادرة المنزل أثناء التوتّر ليلاً، وتشدّد على أنها أودعتهم الوصيّة «يلّي بيموت ما حدا بيسأل عنّو! الحرب تافهة. الله لا يعيدها، بدنا نعيش بس». الرجال الذين شاركوا في المسيرة يرَون أن هذه الخطوة الاستباقيّة للنساء «كان لازم تصير بالـ 75 وما صارت»، لكن اليوم «اللبناني وعي، والتسريبات الأمنيّة للفيديوات ما عادت تقطع».

كادت المرأة ذات الشعر الرمادي أن تصاب بنوبة وهي تتحدّث عن بشاعة الحرب


من أمام محمصة صنين في عين الرمانة، مروراً بشارع مارون، عبرت المسيرة بعد ظهر أمس، «خطّ التماس» القديم إلى وسط شارع أسعد الأسعد في الشياح، حيث استُقبلت بالأرز لتنعطف وتعود إلى نقطة انطلاقها. عند مفترق طريق صيدا القديمة، وقف ابن الشياح على الرصيف الوسطي ينظر إلى المسيرة تمرّ أمام عينيه، تماماً كما مرّت الحرب وتوتّرات الأمس. الخمسينيّ واقعيّ تماماً ولا يريد أن يسمّع للصحافيّين «معزوفة» الوحدة، أحمد يعرف أنه «أوقات بيفوت ناس بيعملوا مشاكل بس بيرجع بيمشي الحال». هو أكثر من واقعي «شي طبيعي يصير مشاكل، لكن نرفض التضخيم وتسريب فيديو قديم ومركّب والتركيز عليه». يشير أحمد بيده إلى نقطة «الفور يو» لجهة الشياح حيث انطلقت اشتباكات الـ 75 بعد حادثة بوسطة عين الرمانة، «رأيت الشرارة الأولى، وفي هذه المنطقة عِشنا 15 سنة حرب، لم يكن بمقدور أي أحد عبور هذا التقاطع، حصل القنص من الجانبين، بس رجعوا اتّفقوا!»، هل سيتّفقون من جديد؟ «بسحر ساحر، انتظروا فقط»... يبتسم كمن شاهد الفيلم نفسه عشرات المرّات.