لم يتقدّم النائب ميشال الضاهر، أمس، باقتراح القانون لفرض ضوابط على رأس المال، أو «الكابيتال كونترول» (راجع «الأخبار» أمس). فقد «تمنّى» عليه رئيس مجلس النواب نبيه برّي أن يتراجع عن هذه الخطوة، ريثما يتمّ تأمين التوافق السياسي حولها. أخبر برّي عضوَ «تكتل لبنان القوي» أنّ 13 مليار دولار أُخرجت (هُرّبت) من البلد في الفترة الأخيرة، لذلك لا يعتقد أنّه يجب فرض «الكابيتال كونترول» قبل إعادتها. وهو ما كرّره خلال لقاء الأربعاء النيابي، حين طالب «بعودة أموال المصارف التي أُرسلت إلى الخارج، وتُقدّر بمليارات الدولارات إلى لبنان. الوضع الاقتصادي قابل للتحسّن بمجرّد وجود حكومة». علماً أنّه قبل أسابيع قليلة، كانت الحكومة «شغّالة»، وكان التدهور الاقتصادي يسير بخطى سريعة.


(هيثم الموسوي)

التمنيات بعدم تقديم اقتراح القانون، تلقاها الضاهر أيضاً من الوزير جبران باسيل. رئيس تكتل لبنان القوي، «لا يعترض ولا يوافق على الكابيتال كونترول. قال لي بأن أقوم بما أراه مناسباً، ولكن طلب التريث بما أنّ الرئيس برّي تحفّظ على الاقتراح حالياً». ويوضح الضاهر في هذا الإطار، أنّ «الاقتراح الذي أُقدّمه لا يُجبر الدولة على فرض الكابيتال كونترول، بل يُجيز لحاكم مصرف لبنان وضع ضوابط على حركة رأس المال عند الحاجة إليها». اقتراح القانون كان يتألف من مادة واحدة، وهدفه الرئيسي بحسب الضاهر، حماية أموال صغار المودعين وتأمين «الأمن القومي الغذائي» ووضع حدّ لإجراءات المصارف الاستنسابية، لا سيّما مع انتشار معلومات عن أنّ قراراً قضائياً سيصدر في حق أحد البنوك الكُبرى، مُشابهاً لقرار القاضي أحمد مزهر إلزام «بنك بيبلوس» بتسديد قيمة الحساب العائد إلى شركة «كومرس إنترناسيونال» والبالغة 129 ألف يورو. وكان من المفترض أن تكون الخطوة الثانية بعد «الكابيتال كونترول»، فرض إعادة هيكلة وجدولة الدين العام.
تبدو القوى السياسية في البلد مقتنعة فعلاً بأسطورة «طائر الفينيق» الذي ينبثق من جديد في كلّ مرة يموت فيها. تتصرّف وكأنّ الحلول للكارثة الاقتصادية المفروضة على اللبنانيين، تُحلّ بمعجزة أو ببيانات مكتوبة بلغة منمّقة. تُكابر رافضةً القيام بأي خطوة جدّية لتجنّب الأسوأ. هل برّي مُقتنع فعلاً بأنّ القوى الأساسية الحاكمة، التي تربطها مصالح مع القطاع المصرفي، ستُقدم على خطوة تُهدّد وجودها أو تُقلّص أرباحها، حتى يرفض اقتراح قانون لـ«الكابيتال كونترول» بانتظار التوافق؟ الجزء الأكبر من الشعب اللبناني منهار، يُحارب من أجل وجوده محروماً من أي دعامة اقتصادية واجتماعية. وفي «أفضل الأحوال»، هو قاب قوسين من الانهيار التام.
قد يصدر قرار قضائي في حق أحد البنوك الكُبرى، مُشابه للقرار ضدّ «بنك بيبلوس»

الأرقام التي يذكرها اختصاصيون اقتصاديون عن تقدّم نسب الفقر والبطالة وتراجع القدرات المعيشية وارتفاع نسبة الدين العام من الناتج المحلي، تكفي لإعلان حالة الطوارئ. «التشبيح» الذي تُمارسه المصارف، في ظل تنازل حاكم المصرف المركزي عن صلاحياته في مواجهة الكارثة، آخذٌ في التمدّد من دون أن يضع أحد حدّاً له. وحين يُقرّر نائبٌ، «رأسمالي»، ولا يأتي من خلفية يسارية أو معادية للنظام المصرفي، اقتراح فرض ضوابط على حركة رأس المال لحماية صغار المودعين وتأمين استيراد السلع الأساسية التي يحتاج إليها الناس، تعلو الاعتراضات عليه. ليس السبب كما يُبرّر رئيس المجلس النيابي، بأنّه يريد إعادة الأموال التي خرجت من البلد أولاً، بل لأنّ «أبناء السيستام» المحظيين، يرفضون وضع آلية تقييد مؤقتة تخدم المصلحة الاقتصادية العامة، ويريدون الاستمرار في عمليات تهريب جماعية لرأس المال إلى الخارج، في مقابل تقييد العمليات المالية للناس العاديين، ورفض صرف شيكات حتى ولو كانت قيمتها متدنية، ورفض تسديد القروض بالعملة المحلية، وعدم تخفيف المضاربات على الليرة.