يبدو أن رهان بعض الأطراف السياسيين في لبنان على أن يكونوا أداة طيّعة في يد الولايات المتحدة ضد المقاومة هو في الحقيقة اقتناع راسخ لديهم، رغم توالي الهزائم والنكسات التي مُنوا بها نتيجة لمثل هذا الرهان في مراحل سابقة. والحقيقة المُرة هي أنه ما من مَرة ظهرت فيها بوادر، أو مجرد احتمالات، لتدخل عسكري أميركي، وحتى اسرائيلي، في لبنان أو في المنطقة، إلا وسعى بعض هذه الأطراف السياسية للتقاطع مع أهدافه في أحسن الأحوال، كما تم خلال عدوان تموز-آب 2006، أو في الشراكة المباشرة مع الغزاة في أسوَئها، كما حصل سنة 1982 خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان. كلما ارتفعت حدة اللهجة الأميركية و/أو الاسرائيلية ونبرة التهديدات ضد حزب الله أو إيران، سارع هذا البعض إلى مراجعة حساباته وإعادة جدولة أولوياته على قاعدة أن «الضربة القاصمة آتية لا محالة»، وأن نافذة الفرص انفتحت مجدداً للاستئثار بالسلطة على حساب «الشركاء في الوطن»، وغيرها من مفردات التكاذب المعتمدة في «بلاد الأرز». التجارب التاريخية والخيبات المتكررة الناجمة عنها لم تمنع انتعاش آمال هؤلاء مجدداً مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأطراف محور المقاومة، بعد اعتماد إدارة ترامب لسياسة «الضغوط القصوى»، وتكاثر الحديث عن حرب كبرى تقلب الطاولة في الاقليم وتغير موازين القوى بشكل حاسم لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها. لكن التطورات اللاحقة وما أظهرته من ثبات لقوى محور المقاومة وقدرة على المواجهة وعلى تجاوز الخطوط الحمر، وهو ما دل عليه إسقاط طائرة التجسس الأميركية وقصف منشأتي أرامكو، وغياب الرد الأميركي، أضعفت صدقية فرضية الحرب الوشيكة لديهم. استبعاد هذه الفرضية لم يضعف إيمانهم بقدرة «الضغوط القصوى»، أي الحرب الاقتصادية والمالية التي تشنّها واشنطن على أطراف المحور، على زعزعة استقرار الأخيرين وخلق الظروف المناسبة الداخلية ومن ثم الخارجية لإضعافهم وتهميشهم وربما إسقاطهم. الاحتجاجات الاجتماعية في لبنان والعراق وإيران برأيها الحقيقي، وهو طبعاً عكس رأيها المعلن، هي نتيجة لهذه الضغوط والمطلوب هو استثمارها الفوري في إطار سياسة هجومية ضد المحور وأطرافه. المواقف التي أدلى بها العميد المتقاعد مارون حتي، مستشار رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري لشؤون الدفاع والأمن، أمام «حوارات المنامة» التي ينظمها سنوياً المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، أبلغ تعبير عن هذه التوجهات التي تمثل استمرارية لرهان الاندراج في استراتيجية الولايات المتحدة ضد قوة سياسية رئيسية في لبنان، ولكن مع إبداء الاستعداد للصدام المباشر معها هذه المرة. لا حاجة إلى الاستفاضة في شرح الأهوال التي سيقود اليها أتباع مثل هذه التوجهات بالنسبة إلى الشعب اللبناني برمّته.
نحن أمام دعوة الى الفتنة والى تدخل عسكري خارجي، وعلى الحريري والنيابة العامة اتخاذ الخطوات اللازمة


لخّص العميد حتّي قراءته للأوضاع في لبنان بعد أكثر من شهر على انطلاقة الاحتجاجات الشعبية خلال طرحه سؤالاً على كينيث مكينزي، قائد القيادة المركزية الأميركية، المشارك بدوره في «حوارات المنامة»، حول موقف الولايات المتحدة في حال انفجار صراع بين الجيش اللبناني وحزب الله. وقال حتي إن مسألة إعادة التموضع الاستراتيجي للبنان هي في قلب الأزمة الحالية، وإن غالبية اللبنانيين، لأسباب «ثقافية»، تعتبر نفسها أقرب الى ما سمّاه «العالم العربي الحديث» ـــ والمقصود به المملكة السعودية والإمارات ــ والغرب، مما هم لإيران، وإن الجيش اللبناني يردع حزب الله عن القيام بقمع تعبير اللبنانيين عن هذا التطلع الى انتقال بلدهم من موقع الى آخر. ويشير، وهذا الأخطر، الى أنه دعا الجيش منذ ستة أشهر، أي قبل انفجار الاحتجاجات، للاستعداد للمواجهة مع حزب الله، لأنه، ببعد نظره «الثاقب»، استشرف انفجار الأزمة التي تعصف حالياً بالبلاد.
«حوارات المنامة» تضم مجموعة من صنّاع القرار السياسيين والعسكريين ومن الوزراء والمستشارين من المنطقة والعالم. والعميد حتّي يشارك فيه بصفته الرسمية كمستشار لرئيس وزراء لبنان، ويجري التعريف عنه بهذه الصفة في برنامج المؤتمر على موقع المركز، رغم نفيه ذلك في مقابلة مع قناة «الجديد»، وادّعائه أنه يحضر المؤتمر بصفته الشخصية. السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو حول موقف الرئيس الحريري ممّا ارتكبه مستشاره من دعوة إلى الاحتراب الداخلي بين الجيش والمقاومة، ومن استدعاء لتدخل عسكري أميركي فيه؟ إنها المرة الأولى التي يجرؤ فيها مسؤول لبناني على التحريض العلني على الاقتتال الداخلي وعلى استعداده لأن يكون أداة للولايات المتحدة ولحلفائها، بذريعة «الميول الثقافية»، في حروبها مع أطراف أساسيين لبنانيين وإقليميين. خطورة كلام حتي تنبع من موقعه الذي لولاه لكان مدعاة لسخرية وضحك لا ينقطعان. وعلى رغم انعقاد المؤتمر في البحرين، البوابة الخليجية للتطبيع مع إسرائيل، لا شك في أن العديد من المشاركين ضحكوا في سرّهم عندما سمعوه يصف مملكة محمد بن سلمان ــ السيد منشار عظم كما تسميه الصحف الغربية بعد أن قام أزلامه بتقطيع جمال خاشقجي ــ والامارات المتحدة، بالعالم العربي «الحديث». ومن المحسوم أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين، رغم الخلافات السياسية الفعلية في ما بينهم، لا يريدون أن يحكم بلدهم من نظام شبيه بأنظمة الممالك والامارات والمشيخات التي يتخذها حتّي نموذجا. لكن مضمون كلامه المضحك ليس موضوعنا. هو زعم أن إعداداً للصدام بين الجيش وحزب الله جار منذ ستة أشهر. إن لم يكن هذا الكلام دعوة إلى الفتنة فماذا يكون؟ دوافع كثيرة قد تفسر مواقف حتّي: حماسه «لتعزيز الشراكة» مع الأميركيين، كما أشار في بداية مداخلته القصيرة، وخلفيّته اليمينية المتطرّفة، فهو انتمى في شبابه الى مجموعة «التنظيم»، المعادية لقطاع كامل من اللبنانيين ولجميع الشعوب العربية لأسباب طائفية وعنصرية، وصداقته مع أمراء خليجيين، إلخ... قد يكون هناك دوافع أخرى نجهلها، لكن مهما كانت الدوافع، نحن أمام دعوة الى الفتنة والى تدخل عسكري خارجي ضد لبنان. وعلى المسؤولين، من رئيس الوزراء الى المدعي العام التمييزي، اتخاذ الخطوات التي تفرض نفسها في مثل هذه الحالة.