الطريق الى عوكر مقطوعة من كل الاتجاهات بالأسلاك الشائكة... لا مجلس نواب هنا ولا سرايا حكومياً، لكن عديد عناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي وعناصر مكافحة الشغب، الى جانب سيارات الاطفاء والآليات العسكرية المزدحمة خلف الأسلاك، تشي بأن هناك ما هو أعظم. ازدحم كل هؤلاء لحماية السفارة الأميركية، ليس على أبوابها، وإنما في ساحة عوكر، أي على مسافة نحو كيلومتر من السفارة. المناسبة: اعتصام رافض للتدخلات الأجنبية في لبنان التي عبّر عنها السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان أمام الكونغرس وتخييره اللبنانيين بين السير بسياسات واشنطن أو الانهيار والفقر.

«بوصلتنا لا تزال بخير ومصوّبة نحو مطبخ أزماتنا ومشكلاتنا وحصارنا الاقتصادي والاجتماعي»، يقول أحد المتظاهرين. تعلو الصرخة: «بيروت حرّة حرّة... أميركا طلعي برا»، يستكملها آخرون بهتاف آخر: «هيلا هيلا هيلا هيلا هو، الغاز إلنا يا حلو». في اشارة الى الأطماع الأميركية بغاز لبنان خصوصا بعد الاعلان عن بدء موعد التنقيب عن النفط قريباً. لا يختلف اثنان، هنا، على أن الولايات المتحدة هي المصدر الأول للفساد. كيف؟ يجيب الأسير المحرر نبيه عواضة بأن «أميركا تدعم كل الفاسدين في الدولة اللبنانية منذ أكثر من عشر سنوات وهي تتحمل مسؤولية الأزمة التي وصلنا اليها تدريجيا وبشكل مباشر مع فرض العقوبات الأخيرة». الى جانب الفساد الاقتصادي والامعان في افقار الشعب، «يتحمل الأميركيون مسؤولية الأزمة الطائفية والمذهبية عبر اعتمادهم سياسة التفريق بين اللبنانيين لأنها تفيد مصالحهم السياسية، الأمر الذي منعنا من تنفيذ اي اصلاحات». حان الوقت لحرق العلمين الأميركي والاسرائيلي من منطلق «تلازم المسار والمصير» بينهما. يصعب في هذه اللحظة نسيان فلسطين؛ يرفع أحد الشبان علمها على العامود... «بالحجر والسكين علّوا رايات فلسطين».

كان لحاكم مصرف لبنان «رجل أميركا في لبنان» نصيبه من الهتافات


عدديا، لم تكن ساحة عوكر حاشدة، رغم ان الدعوة الى الاعتصام انتشرت قبل يومين على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل ناشطين مدنيين. اللافت أن المجموعة التي حجزت لنفسها موقعا في ساحة رياض الصلح بالقرب من الأسلاك الشائكة والتي كانت تعتصم دوريا أمام مصرف لبنان، كانت حاضرة هي نفسها أمام السفارة: من «حركة الشعب»، و«بدنا نحاسب»، وقسم من العسكريين المتقاعدين، حركة «المرابطون» وناشطين مستقلين. أبدى المعتصمون انزعاجا من عدم حضور الحزب الشيوعي بكل أطيافه، إذ اقتصر الحضور على منظمة الرمل العالي التي تولت تأمين التجهيزات كمكبرات الصوت والمذياع. تقول المصادر إن الحزب الشيوعي خاض نقاشا حول التحرك باتجاه السفارة الأميركية قبيل انتشار كلام فيلتمان. خلصت الأكثرية الى ضرورة عدم ترك الساحات الأساسية. لكن، بحسب البعض، «ذلك لا يبرر عدم حضور الشيوعي - فرع بيروت وأي عضو من المكتب السياسي أو الأمين العام حنا غريب الذي غالبا ما كان يترأس هذه التحركات. خصوصا أن النشاط غير مفتعل انما تم التداعي اليه عقب تدخل السفير الأميركي السابق في هذه الانتفاضة، وتطرقه الى سلاح حزب الله ووجوب ابعاد اللبنانيين عن المقاومة فضلا عن املائه شروطاً على المتظاهرين لانجاح الثورة برأيه». هنا تنتفي حجة عدم المشاركة تحت شعار «رفض اجراء فحص دم للوطنية وتقديم فروض الطاعة لحزب الله»، وفقا للمعتصمين. رغم أن الشيوعي سبق أن دعا الى تحرك أمام السفارة في شباط الماضي ولم يلب دعوته يومها أي من المجموعات الأخرى.
أحد الداعين الى التظاهرة، الناشط هاني فياض، أكّد أنها «رسالة متعددة الأطراف الى السفير والسفارة ووكلائهما، وهي رفض التدخل المباشر في الانتفاضة والسعي الى تحويل مسارها». ولأن أميركا تنفذ «هيمنتها الاقتصادية علينا عبر صندوق النقد والبنك الدولي، عبر ربط عملتنا بالدولار، وعبر سياستها المالية التي أوصلتنا الى ما نحن عليه. أتينا اليوم لننتفض على الأصيل وليس فقط على الوكيل. اقتصاد البلد ليس ملكا لأحد، ثرواته ملك أهله، وممنوع فرض سياسات نقدية ودولية لا نختارها. تدخّل السفارة الأميركية الوقح مرفوض كما تدخل كل السفارات». من جانبها تربط عفت ما بين التنقيب عن النفط والتدخلات الأميركية التي باتت أوضح وبوتيرة أكبر، منددة بالعقوبات التي «في الظاهر تفرض على الحزب ولكنها تطالنا جميعا من دون استثناء». سريعا، تصدح الشعارات الموجهة الى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة باعتباره «رجل الأميركيين». يصرخون: «أميركا وسخة وسخة، وسلامة عنا نسخة»، «فيلتمان يا حرامي سلم على سلامة». شعار آخر ارتفع في أجواء عوكر، لكن هذه المرة للسفيرة الأميركية ورئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري: «طيري طيري طيري انت والحريري». الحضور النسائي كان طاغياً، فمطلقة الشعارات امرأة ومن تحاول سحب الشريط الشائك امرأة، ومن تصر ألا تعود أدراجها من دون ترك شعار «يسقط حكم السفارة» على الطريق امرأة أيضاً. تقول عليا رزق إنها تشارك رفضا «لابتزاز فيلتمان وللأميركيين الذين يتحدوننا في لقمة عيشنا... كل ذلك مقابل سلاح المقاومة. يا منحارب المقاومة يا منجوع. السلاح الذي حرّر الأرض مقدّس ومشكلتي ليست مع حزب الله. نزلنا الى الشارع حاملين مطالبنا وحقوقنا، لكن هناك من يسعى لحرف البوصلة. جينا نقلن فشرتوا». الى جانبها ماهر الدنا، يستنكر هو الآخر محاولة الأميركي سوق هذا الحراك نحو السلاح. بنظره الحراك يحمل أهمية وطنية ولن يكون أبدا موجها الى ساحة تشتم المقاومة وتتماهى مع فيلتمان. يعتب على القوى التي لم تشارك في هذا التحرك: «الناس لي تشاركنا معا المطالب والهموم ما شاركت معنا بالوقفة الوطنية».
في الجهة المقابلة للأسلاك يقف عنصر من الجيش داخل احد المباني وفي يده كاميرا، في حين يشتبك أحد عناصر قوى الأمن الداخلي مع من يحاول ازالة الشريط الشائك ناصحا اياهم: «عم بتضروا حالكن». محمد الفيتروني، واحد من العسكريين المتقاعدين المعتصمين في الساحة، يشير الى «أننا انتهينا من الوصاية الأميركية وغيرها. نحن جماعة ثورة وحرية ونرفض التدخل بحقوقنا والتعامل معنا كالخراف». أما ناريمان رباح الآتية من بيروت، فجاءت لايصال رسالة واضحة: «مع الثورة وضد التدخل في لقمة عيشنا، مع المقاومة التي هي تاج رأسنا وضد فيلتمان وما يمثله».