على «غير عادة»، أصدرت النيابة العامة في جبل لبنان بياناً «توضيحياً» بشأن حادثة اعتقال الشبان الخمسة في حمانا ليل السبت الماضي، التي شغلت الرأي العام ولاقت تضامناً واسعاً بوجه اعتقال قاصرين على خلفيّة إزالة لافتة أمام مكتب التيار الوطني الحر قبل يومين. المفارقة أن البيان أشار إلى أن جميعهم وبينهم 3 قاصرين «تُركوا رهن التحقيق»، بعكس كل ما قيل ــــ وأكّده المحامون ــــ عن تركهم بسند إقامة، ما يعني أن التحقيق لم يُختتم وأن احتمال حفظ النائب العام للملف قد يتبخّر. المخالفات المقترفة من الجهات التي اعتقلتهم وحقّقت معهم، وأبرزها غياب مندوبة الأحداث خلال التحقيق، برّرته النيابة العامة بـ«جزمها» أن «الأصول القانونية للتحقيق مع القاصرين اتّبعت في التحقيق الأولي».

الأصول التي تحدّثت عنها النيابة العامة، لم يجرِ اتباعها وفق المحامين المتابعين للملف، وكذلك الاتحاد لحماية الأحداث الذي تبلّغ منتصف ليل السبت ــــ الأحد، فيما الموقوفون وصلوا إلى المخفر قرابة الـ 11 ليلاً. وكيل الاتحاد المحامي رفيق غرَيزي اعتبر أن إنزال الشبان للافتة أمام مركز التيار الوطني الحر في حمانا، أو للدقّة إزالة طرف لافتة لم تسقط أرضاً حتى وفق فيديو سجّلته كاميرا المراقبة، «لا يرقى إلى جرم التخريب، والتوصيف أكبر من فعلتهم، ولا جرم تحقير في فعلتهم». غير أن النيابة العامة اعتبرت أنه «فضلاً عن جرم التخريب، فإن الأفعال المرتكبة تشكّل جرم إثارة النعرات بين فئات المجتمع الواحد والمنصوص عليه في المادة 317 من قانون العقوبات التي تنص على عقوبة الحبس من سنة إلى 3 سنوات، إضافة إلى غرامة مالية». تهمة إثارة النعرات التي «اجتهدتها» النيابة العامة، يستنكرها المحامون على اعتبار أن رئيس الجمهوريّة للجميع وهو ما لم يتبيّن إذا كان له صورة على اللافتة ولم تذكر المسألة في محضر التحقيق، وأن التيار الوطني الحرّ الذي أزيلت لافتة له هو تيار علماني لا يفترض أن تثار النعرات الطائفيّة حياله.
احتجاز الشبان الخمسة جرى أولاً، وكما بات معلوماً، من قبل شرطة بلديّة حمانا الخامسة بعد ظهر السبت، وهو ما يعتبره غريزي «من غير وجه حقّ، إذ عليها مخابرة المخفر عن احتجازها لهم فوراً، واحتجاز الحريّة بهذا الشكل يعرّض الموظّف لعقوبة تصل إلى الأشغال الشاقة (المادة 367 من قانون العقوبات)».

يستنكر المحامون تهمة إثارة النعرات التي «اجتهدتها» النيابة العامة


شرطة البلديّة أبقت المعتقلين لديها حتى الثامنة ليلاً، حين سلّمتهم إلى مخابرات الجيش التي احتجزتهم بدورها حتى الساعة 11 ليلاً، وهو ما يطرح السؤال حول «الجرم الذي يستدعي تسليم أحداث إلى هذا الجهاز بالتحديد وتحقيقه معهم لثلاث ساعات». بقاء الشبّان الخمسة لنحو 6 ساعات ضمن نطاق حمانا، من دون وصولهم إلى المخفر إلا قرابة الـ 11 ليلاً، يستنكره المحامون، في حين أن المفوّضة المعاونة من الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضية مايا كنعان «رفضت فتح ملفهم لدى مديرية المخابرات التي اضطرت إلى تسليمهم إلى مخفر حمانا». لدى تسلّم المخفر المعتقلين، وبما أن 3 منهم تحت السنّ، «كان يفترض به التواصل مباشرة مع مندوبة الأحداث، وإن كانت المخافر تعاني من نقص في الخبرة حيال التعاطي مع الأحداث، فإن المخفر، لدى إبلاغه النائب العام القاضي سامر ليشع بوجود المعتقلين لديه كان يجدر بالقاضي نفسه لفت انتباه الدرك إلى الأمر» وفق غريزي. غير أن ليشع في تلك اللحظات لم يكن مشغولاً بتطبيق قانون حماية الأحداث، بل بوارد تركهم رهن التحقيق حتى الصباح، الأمر الذي أثار ردود فعل في شارع حمانا، إضافة إلى حملة تضامن واسعة وتدخّل من الاتحاد لحماية الأحداث لدى النائب العام، ومبادرة لجنة المحامين للدفاع عن حقوق المتظاهرين ومبادرات فرديّة لمحامين وصلوا إلى المخفر. القرار بترك القاصرين الثلاثة (12 عاماً، و15 عاماً لاثنين منهم) الواحدة بعد منتصف الليل، «بحضور أهلهم الذين وقّعوا معهم على محاضر التحقيق على أساس تركهم بسند إقامة (بخلاف بيان النيابة العامة) كما أبلغت «الأخبار» محامية توكّلت عن الموقوفين. فيما استبقي راشدان (18 و19 عاماً) ساعة إضافية، «إلى حين استدعاء المسؤول عن مكتب التيار في حمانا الذي صرح بأنه لا يرغب بالادعاء»، وفق بيان النيابة العامة، وتابع «عندها تقرر ترك الراشدَين عند الثانية صباحاً رهناً للتحقيق، علماً بأن أحدهما سوري الجنسية وإقامته منتهية الصلاحية، ما استوجب تنظيم محضر على حدة بهذا الخصوص». تسطير المحضر بشأن انتهاء صلاحية الإقامة إجراء قانوني عادي، غير أن غير العادي هو الحملة التي شنّت حيال جنسيّته فيما «نصّ الدستور واضح بشأن حريّة التعبير، ولا يفرّق بين المقيمين على الأراضي اللبنانية ولأي جنسيّة ينتمون، فيما غير المألوف هو بيان النيابة العامة التي يفترض بها التحفّظ عن تحقيق اعتبرته لم يكتمل» وفق غريزي. إلى ذلك، يدرس الاتحاد «إمكانية التقدّم بشكوى بشأن احتجاز من هم تحت السنّ، حرصاً على حماية الأحداث وتطبيقاً لقانون حمايتهم».
عدم اتخاذ صفة الادعاء كانت قد أعلنته هيئة التيار في بعبدا في بيان لها، مذكّرة بمحاولة سابقة لإضرام مجهولين النار في مركزها، وهو أمر لفت إليه بيان الجيش.