صرخ في وجه الحارس: «هذا المصرف لنا». كان الأخير يُحاول طرده ورفاقه. أليس هو مصرف لبنان؟ بلى. ليس مصرف هذا الزعيم أو ذاك. مِن هذه البديهيّة انطلق الرفاق للاعتصام داخل المصرف، لا خارجه، على غرار ما فعلوا قبل نحو ثلاثة أسابيع في مقرّ جمعيّة المصارف. هم الرفاق ذاتهم: «الحركة الشبابيّة للتغيير». الحركة اليساريّة الماركسيّة الصغيرة التي ولدت قبل سنوات. يوم أمس، كانت الرمزيّة أعلى، مصرف لبنان، هيكل رأس المال في بلادنا، والجهة التي حسمت المجموعة أنّها بيت الداء. أتوا في ذكرى الاستقلال «ليكون استقلالنا حقيقيّاً وكاملاً». هذا ما جاء في البيان، الذي راح أحد أعضاء المجموعة يذيعه، عبر البثّ المباشر بواسطة الهاتف، قبل أن يأتيه الحرس لطرده ورفاقه بالقوّة. أصيب الشاب بضربة فوق عنقه. لا بأس. هذا أقل المتوقّع. في الوقت عينه، كان يُذاع البيان، عبر صفحة الحركة الإلكترونيّة، بعدما كان قد سُجّل سابقاً. هذه المجموعة مِن الشبّان غير مؤطّرة حزبيّاً، وغير مدعومة مِن أحد، إلى حدّ أنّه، قبيل «ضربة» أمس، كان أعضاؤها يتناقشون حول مَن يَملك أكبر «سعة إنترنت» ليتمكن مِن فتح البثّ المباشر. إلى هذا الحدّ. هم فقراء. هم أكثر مَن يُمكن أن يتحدّثوا باسم الفقراء. هم فقط يشعرون بأنّ عليهم فعل شيء ما. بلدهم ينهار. كلّ شيء مِن حولهم ينهار. قبل ذلك كانت قد انهارت أحلامهم. اليوم، لا يُريدون أن تمضي هذه اللحظة التاريخيّة مِن غير أن يقدّموا كلّ ما يُمكنهم. لا بدّ أن نحفظ لهم ما فعلوا ويفعلون. يقولون إن ما جرى إلى الآن ليس هو النهاية. سيكون لهم «ضربات» أخرى... وبنجاح أكبر. يأملون ذلك.


(هيثم الموسوي)

هذه هي مطالبهم بحسب بيانهم: إعادة هيكلة الدين العام، تخفيض كلفة هذا الدين وجدولة بعضه، ثم شطب بعضه أيضاً، وذلك «لأن الذين استفادوا مِن فوائده هم الذين عليهم أن يدفعوا الثمن». ربّما يرى البعض هذه المطالب بعيدة عن الواقع اليوم. ربّما هي كذلك، لكنّ لعلّنا ذات يوم سنصل إلى أنّ هذا ما كان يجب أن يحصل. طالبوا أيضاً بإلغاء مفاعيل «الهندسات الماليّة» للمصارف، التي جرت خلال السنوات الأخيرة، بقرار مِن حاكم مصرف لبنان. لا يُريد هؤلاء الشبّان أن يتقبّلوا حصول أصحاب المصارف على أرباح، بمليارات الدولارات، ثم يكون الأمر طبيعيّاً. طالبوا أيضاً مصرف لبنان، مصرفهم، أو الذي يُفترض به أن يكون كذلك، بأن يتوقّف عن التدخّل لإنقاذ المصارف المتعثّرة أو التغطية عليها. أخيراً، لم تتردّد المجموعة بأن تنادي بتأميم كامل المصارف. في المطالب عليك أن تكون راديكاليّاً إلى أبعد حدّ، ذلك لكي تحصل على ما تُريد، وهذه هي القاعدة التي يبدو أن المجموعة «الثائرة» قد وعتها جيّداً.
هذه أسماء أعضاء المجموعة التي دخلت أمس إلى مصرف لبنان: خضر أنور، أديب عبد الله، رفيف سوني، دانيال أبي جمعة (الذي أذاع البيان)، رنيم بزري، حسين صقر وعامر حرفوش. حدّثونا أنّهم عندما دخلوا سمعوا صوتاً، مِن داخل المصرف، يقول إنّ ما يجري هو «سطو مسلح». أحد ما في الداخل ارتعب. سخر «الساطون» مِنه. يبدو أن «أصحاب» المصرف وضعوا أنفسهم في أجواء هذه الفرضيّة. هذا طبيعي ومتوقّع. ربّما لم يتوقّعوا هذا طوال حياتهم. هذا شيء جديد يحصل لهم ويُصيبهم. بعدما خرج الشبّان، أو أُخرجوا بالقوّة، مِن المكان، لم يغادروا بعيداً. وقفوا على بعد أمتار وراحوا يهتفون: «الشعب يُريد إسقاط الدين العام». وهذا خضر أنور، الذي لم يستعد بعد صوته منذ نحو شهر، يهتف: «رياض سلامة جّن وولّع.. وسمّاها سطو مسلّح». طبعاً، لم ينسوا الهتاف الشهير، الذي لن يكون لأحد أن يؤرّخ لهذه الأيّام مِن غير أن يذكره: «حرامي حرامي، رياض سلامة حرامي». ومِن الهتافات الجديدة التي سمعناها أمس: «وللمصرف والملك الخاص، العين بالعين والراس بالراس». اللافت أن أكثر وسائل الإعلام غابت عن المشهد.
مِن الهتافات الجديدة التي سمعناها أمس: «للمصرف والملك الخاص، العين بالعين والراس بالراس»

لم تأتِ للتغطية، فضلاً عن البث المباشر. لقد اعتدنا الأمر. هذه ساحة المصارف. هنا التطبيق التام لمقولة: «مَن يأكل مِن مال السلطان يضرب بسيفه». بالمناسبة، بعد «الضربة» الأولى للحركة الشبابيّة للتغيير، ضدّ مقرّ جمعيّة المصارف، سأل كثيرون مِن الشبّان في الساحات عن كيفيّة الانضمام إليهم. ثمّة مزاج في ساحات الاعتصام، منذ الأيّام الأولى، يميل إلى الذهاب نحو «العنف الثوري». شبّان مِن ميول مختلفة، وبعضهم حتى بلا أيّ أيديولوجيا معروفة، لديهم هذا الميل. يُمكن ملاحظة هذا النفَس بسهولة على الأرض. الحركة الشبابية، حاليّاً، ربّما غير قادرة على الذهاب بعيداً، لكن مَن يدري إن كان الأمر سيظل كذلك لاحقاً. عموماً، المسؤولون في الحركة سلمِيّون إلى الآن، بحكم الواقع، ويُرحّبون بأي وافد جديد عليهم. أبوابهم غير مقفلة. خيمتهم في ساحة رياض الصلح معروفة. أيّاً يكن، سينتهي كلّ شيء غداً، أو بعد سنة أو أكثر، وعندها سيكون لهؤلاء الشبّان أن يقولوا لقد انتصرنا... أو أقلّه حاولنا. أمّا نحن فسنتذكّر لهم ذلك. لقد كنّا شهوداً على ذلك.