تخلّى مصرف لبنان عن دوره في إدارة القطاع المصرفي، وأوكل مهمة تقييد حركة الأموال (Capital Control) الى جمعية المصارف، ومنحها سلطة يملكها مجلس النواب وحده. أولويته كانت الإبقاء على يديه نظيفتين من هذه القيود، فتجاوز إشكالية عدم امتلاك جمعية المصارف صفة رسمية تسمح لها بوضع قيود على المودعين وأموالهم، بصورة تشكّل مخالفة صريحة للقانون. الإجراءات التي أعلنتها المصارف، سبق أن نفّذتها في الأيام التي فتحت فيها أبوابها بعد الإقفال الطوعي لمدة 12 يوم عمل. وهذه الإجراءات ليست سوى قيود على تحويل الأموال إلى الخارج، وعلى سحبها من الحسابات في الداخل، حتى لو كانت هذه الحسابات «جارية». وكان بعض المصارف يمارس «سطواً» على أموال غير المودعين أيضاً، وخاصة لجهة منع موظفين في القطاع الخاص من سحب كامل رواتبهم «الموطّنة»، رغم أن دور المصارف في هذه الحالة لا يعدو كونها وسيطاً بين المؤسسة والموظف. عجز المصارف عن تلبية طلبات زبائنها، مرتبط بالدرجة الاولى بأن بعضها قام بتهريب أموال مالكيه وكبار المودعين إلى الخارج، فلم يعد قادراً على الاستجابة لما يريده «صغار المودعين». وإضافة إلى ذلك، رفضت المصارف طلب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بإعادة جزء من أموالها الموجودة في مصارف المراسلة، والبالغة نحو 9 مليارات دولار، بذريعة أن عليها التزامات في الخارج تُقدّر بنحو 13 مليار دولار. وهذه الذريعة لم تقنع سلامة، لأن الالتزامات ليست فورية، ما يعني أن المصارف قادرة على استخدام جزء من هذه الاموال الموجودة في الخارج حالياً لتهدئة السوق الداخلية. كذلك عرض سلامة على المصارف الاستدانة من مصرف لبنان قدر ما تشاء من الدولارات، بفائدة 20 في المئة، إلا انها رفضت أيضاً، بذريعة أن الفائدة مرتفعة جداً، علماً بأنها سبقت أن تلقّت أرباحاً بنسب قريبة من هذا الرقم على عمليات نفذتها مع مصرف لبنان، من خلال ما بات يُعرف بـ«الهندسات المالية». ببساطة، ترفض المصارف التنازل عن جزء من أرباحها الطائلة لتهدئة مخاوف المودعين، وهو ما استفز سلامة، الذي يظهر يوماً بعد آخر انه غير قادر على إدارة القطاع، رغم أنه كان ينسب لنفسه قدرات استثنائية في أيام «الرخاء» (إضافة إلى ما كان يُنسب إليه). وإضافة إلى الجشع، ورفض «التنازل» عن جزء من الأرباح، لا يريد أصحاب المصارف «المخاطرة» بأموالهم الخاصة التي أرسلوها إلى الأمان في الخارج. وهم سبق أن طلبوا من سلامة، كما من رئيس مجلس النواب نبيه بري، إصدار قانون يتيح فرض «كابيتال كونترول»، إلا أن الجميع رفض هذه الفكرة.

المعركة اليوم لم تعد حصرا بين المودعين من جهة، والمصارف ومصرف لبنان من جهة أخرى. ثمة خلاف داخلي يتفاقم في جبهة القطاع الذي جرى التعامل معه كدرّة تاج الجمهورية، ودليلاً على فرادة النموذج اللبناني. فسلامة أصدر في الرابع من الشهر الجاري تعميماً فرض فيه على المصارف زيادة رساميلها بنسبة 10 في المئة قبل 31/12/2019، وبالقدر ذاته العام المقبل، ومنعها من توزيع أرباحها للعام الجاري. وطلب التعميم أن تكون الزيادة بالدولار الأميركي، ما يعني أنه يدفع باتجاه أن يأتي المساهمون في المصارف بأموالهم الموجودة في الخارج، لزيادة رساميل المؤسسات التي يملكونها. وحتى يوم أمس، كان بعض العاملين في القطاع يشكو من عدم قدرة بعض المصارف على تحقيق ما طلبه سلامة، ما يعني أن الأخير سيكون ملزماً باتخاذ إجراءات بحق المصارف المتخلفة عن التنفيذ. وهو يحق له، بموجب القانون، استخدام مروحة واسعة من الإجراءات تبدأ من التنبيه، وتصل إلى مساهمة مصرف لبنان بنفسه في زيادة الرساميل مع تملّكه أسهماً موازية لها في المصرف. لكن «أخطر» ما في يد حاكم البنك المركزي هو تعيينه إدارة مؤقتة للمصرف المخالف.
حتى الآن، لم تتضح وجهة «المعركة» بين المصارف و«حاكمها». لكن الطرفين اتفقا على المودعين، وخاصة الصغار منهم. فجمعية المصارف، خرجت بعد اجتماع عقدته أمس، بلائحة من التدابير، وصفتها بالمؤقتة، «يمكن أن تتخذها المصارف لتسهيل وتوحيد وتنظيم عمل الموظفين اليومي في ظل الأوضاع الاستثنائية الراهنة التي تعيشها البلاد». وشملت هذه التدابير، «في ضوء التشاور مع مصرف لبنان»، ما يلي:
1 - لا قيود على الأموال الجديدة المحولة من الخارج.
2 - التحويلات الى الخارج تكون فقط لتغطية النفقات الشخصية الملحة.
3 - لا قيود على تداول الشيكات والتحاويل واستعمال بطاقات الائتمان داخل لبنان.
4 - تحديد المبالغ النقدية الممكن سحبها بمعدل ألف دولار أميركي كحد اقصى اسبوعيا لأصحاب الحسابات الجارية بالدولار.
5 - الشيكات المحررة بالعملة الأجنبية تدفع في الحساب.
6 - يمكن أستعمال التسهيلات التجارية داخلياً ضمن الرصيد الذي وصلت اليه بتاريخ 17 تشرين الأول 2019.
7 - دعوة الزبائن الى تفضيل استعمال بطاقات الائتمان وخصوصا بالليرة اللبنانية لتأمين حاجاتهم.

عجز المصارف عن تلبية طلبات الزبائن سببه تهريب بعضها أموال مالكيها وكبار المودعين


ورغم أن هذه التوجيهات تشكّل بعض أقسى أنواع «كابيتال كونترول»، إلا أن الجمعية حرصت على الإشارة، بشكل مجاف للحقيقة، إلى أن مضمون هذه اللائحة «لا يشكل قيودا على حركة الأموال»، بل أملاه «الحرص الشديد على مصالح العملاء والمصلحة العامة لتجاوز الظروف القائمة». لكن مهما قالت الجمعية ومن خلفها المصرف المركزي، فإن لبنان شرع فعلاً في إجراءات لم يسبق لها مثيل تؤدي عملياً إلى حجز أموال المودعين، لكنها تشكّل، في المقابل، مدخلاً لإعادة فتح المصارف، بعد عشرة أيام على الإغلاق بحجة إضراب موظفيها.
وأشارت الجمعية إلى أن وفداً منها سيسلّم لائحة التوجيهات العامة المؤقتة هذه إلى رئيس وأعضاء اتحاد نقابات موظفي المصارف في اجتماع يعقد اليوم، تمهيداً لإعادة استئناف العمل بشكل طبيعي في القطاع المصرفي.
ولمواكبة عودة المصارف إلى العمل، بإجراءات لا تملك قوة القانون لتنفيذها، سيكون التعويض باللجوء إلى القوة الأمنية. فمن يطالب بحقه بالتصرف بأمواله، خلافاً للإجراءات المقررة، سيكون في مواجهة قوى الأمن. إذ اتخذت ​المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي​ اجراءات امنية لحماية المصارف، ورفعت الحجز إلى الحد الاقصى بالاضافة الى تسيير دوريات للشرطة القضائية والاستقصاء والمعلومات للتجول باللباس المدني في كافة المصارف.
كما تم تعميم جدول وخرائط توزيع كافة المصارف على الاراضي اللبنانية لكل من ​شرطة بيروت​ - الدرك الاقليمي - ​الشرطة القضائية​ - ​شعبة المعلومات​.
وزودت المديرية ​جمعية المصارف​ بملخّص عن التدابير المتخذة وارقام عمليات المديرية العامة - شرطة بيروت - الدرك الاقليمي وعمليات السرايا الاقليمية في وحدة الدرك الاقليمي وأرقام هواتف آمري الفصائل الاقليمية والمفارز القضائية ومفارز الاستقصاء لطلب المؤازرة عند الحاجة.
يذكر ان ​وزارة الداخلية أشارت​ في بيان امس الى أنه بناء لتوجيهات وزيرة الداخلية في ​حكومة​ تصريف الأعمال ريا الحسن، عقد اجتماع بين المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان ووفد من جمعية مصارف لبنان، تم خلاله الاتفاق على اتخاذ اجراءات امنية لضمان عمل هذا المرفق الحيوي. وأكّدت الوزارة التزامها بما جرى الاتفاق عليه.
(الأخبار)