في 16 تشرين الثاني من العام الماضي، غرق الكورنيش البحري لشاطئ الرملة البيضاء في بيروت، حرفياً، بالبراز. شلالات من القذارة اجتاحت شوارع المنطقة بفعل إغلاق «الشركة العقارية والسياحية ايدن روك» الـ«ريغار» (مجرور الصرف الصحي) الرئيسي على الكورنيش بالباطون. وذلك، قُبيل إفتتاحها المنتجع الذي شُيّد خلافاً للقانون على الملك العام البحري، والذي «سلب» أكثر من خمسة آلاف متر مربع من الملك العام مُتجاوزاً ضعفي مساحة البناء القانونية المسموحة في المنطقة.

آنذاك، اتُّخذ قرار من السلطة المتمثلة بمحافظ مدينة بيروت القاضي زياد شبيب وممثل عن مجلس الإنماء والإعمار وإتحاد بلديات الضاحية، قضي بتحويل المجرور إلى منطقة السان سيمون، حيث يعيش فقراء المدينة المهمّشون الذين علت صرخاتهم لرائحة المجارير التي استوطنت بيوتهم. وقتها، طلبت بلدية الغبيري إعادة الوضع إلى ما كان عليه قُبيل إفتتاح المنتجع، إلا أن صاحبه رجل الأعمال وسام عاشور رفض الطلب، فما كان من بلدية بيروت إلا الرضوخ لسلطة عاشور وحولّت المجرور إلى النقطة القريبة من مقهى «غراند كافيه الشهير».
في الواقع، من يستعرض تاريخ تشييد المبنى، منذ حصول أصحابه على رخصة بناء غير قانونية وصولاً إلى إفتتاحه دون أن يكون حائزاً على رخصة سياحية، لن يُفاجئه تصرّف السلطة مع مالكيه إزاء تسبّبهم بإغراق المنطقة بالقاذورات.
أمس، خرج المئات من المُتظاهرين في مسيرةٍ إنطلقت من مطعم «ورد»، المُخالف بدوره، بإتجاه مشروع «إيدن باي»، طلباً لإستعادة الأملاك البحرية.
وفيما بدا لافتاً الوعي الذي عكسه المتظاهرون إزاء قضية الأملاك العامة البحرية في المجمل، بدءاً من المُطالبة بتعديل تخمين رسوم إشغال الأملاك العامة البحرية وإستعادة الأموال المتأتية من الإشغالات فضلاً عن تطبيق القوانين التي تنص على أهمية تسلسل الشاطئ والولوج الحر إلى البحر، برزت قضية «إيدن باي» كمحور التظاهرة لما يُمثّله من أنموذج صارخ لوقاحة النافذين المحميين من السلطة.
يكفي التذكير بأن أعمال تشييد البناء تمت في وقت كان هناك قراران صادران من مجلس شورى الدولة يقضي بوقفها. كذلك، يكفي التذكير بوجود تقرير صدر عن نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت بتاريخ 28 حزيران عام 2017، بناء على تكليف وزير الدولة لمكافحة شؤون الفساد نقولا تويني، فنّد فيه المخالفات المرتكبة في المشروع من عدم قانونية البناء على العقار 3689 وعدم قانونية المشروع المُرخّص على العقار نفسه وصولًا إلى المخالفات التي تمت بعد الاستحصال على رخصة البناء والمباشرة بتنفيذ المشروع. والأهم أنّ مصلحة الهندسة في البلدية سبق أن أصدرت كتابا شرحت بالتفاصيل المخالفات المرتكبة في المشروع التي تستدعي هدم المبنى بأكمله!
أمام هذه المعطيات، كان مُبررا أن يصرخ المتظاهرون أمس لإسقاط المشروع وإستراداد ملكهم العام والتصويب على المحافظ وبلدية بيروت. وصل هؤلاء إلى وجهتهم ليتفاجأوا بأعداد القوى الأمنية التي وقفت بينهم وبين البحر. بينهم وبين ملكهم العام إثباتاً لهم بأن مكان إعتصامهم «موجع» للدولة ونافذيها.

طالب عدد من المتظاهرين بتعديل تخمين رسوم إشغال الأملاك العامة البحرية


لم تفلح بدايةً هتافات «الهيلا هيلا هو، البحر إلنا يا حلو» في إقناع العناصر بالسماح للمتظاهرين الدخول إلى ملكهم، فما كان منهم إلّا أن كسروا الجدار الذي شيده عاشور على مقربة من مدخل «قلعته» ليمنع الناس من الدخول خلافا للقوانين التي تنصّ صراحة على الولوج الحر المجاني للشاطئ، ودخلوا إلى الشاطئ. بعدما «إقتحم» الحدود، أحدهم وقال انه «فرحٌ لأنه شعر باسترداد أرضه المحتلة»، فيما جلس زملاء له على مقربة من المنتجع وأضرموا النار ليرسوا مبدأ عمومية المكان.
صحيح أن الدعوة إلى المسيرة جاءت من قبل «إئتلاف الشاطئ اللبناني»، إلّا أن الوجوه التي حضرت الى المكان كانت «أشمل» من جمهور الإئتلاف الذي يعمل منذ سنوات على قضية الأملاك البحرية، وتمكّن بفعل الثورة من حشد المئات من الناس ممن تبيّن أنه متيقّظ لقضية الملك العام البحري.
ثمة في المسيرة أمس من أراد «تسقيط الغراند كافيه» لأنه لا يملك ثمن فنجان القهوة. أراد آخر أن يسهر على الشاطئ «بعيدا من المجرور هذه المرّة» (في إشارة إلى مجرور الصرف الصحي المسلط في وسط الشاطئ الذي يقصده عموم الناس)، فيما تساءل آخر: «أنا من سكان بيروت، لماذا علّي الذهاب الى صور كي أسبح؟».
هذا الوعي اللافت الذي تجسّد بمسيرة أمس زاد من «وجع» السلطة ودفع بالقوى الأمنية إلى معاملة المتظاهرين بالشدّة والقمع، إذ أصيب أحد المتظاهرين بضربة عصا من قبل أحد عناصر مكافحة الشغب الذي «قنّص» رأسه، فيما تعرّض المتظاهرون الذين دخلوا إلى «قلعة» عاشور للتهديد. ولم يزد ذلك المتظاهرين إلا قناعة بشعاراتهم: من «حرامي، حرامي، زياد عاشور حرامي»، مروراً بـ «كرمال الرملة البيضا، الثورة ما رح تهدا»، وصولاً إلى دالية الروشة التي لم تُنسَ، وميناء الصيادين.