مقابل الدعوات للعودة إلى قاعات الدراسة في تحدٍّ واضح لإرادة المنتفضين، إن عبر بيان وزير التربية أكرم شهيب أو قرارات رئاسة الجامعة اللبنانية وعدد من إدارات الجامعات الخاصة باستئناف الدراسة اليوم، اختار الجسم التعليمي تحويل الساحات إلى أماكن بديلة للدراسة. مساءً، وُلد تجمّع الأساتذة الجامعيين في لبنان الذي نصب خيمة للتواصل مع الطلاب ومواكبة الحدث. وأمام الإصرار على مقاطعة الدروس والخروج إلى الشارع، تراجع شهيب، معلناً إقفال المدارس والثانويات والمعاهد اليوم وحتى «إشعار آخر».

أما رئيس الجامعة الأميركية، فضلو خوري، فبقي، أمس، حتى ساعة متأخرة يقنع الطلاب بضرورة الحضور إلى الجامعة، إلا أنّه عاد وألغى تقديم الفصول اليوم، «نظراً إلى المخاوف الحقيقية على سلامة مجتمع الجامعة»، بحسب بيان صادر عنه. وكان الطلاب قد أبلغوا موقفهم لعميد شؤونهم طلال نظام الدين، فطلبوا، متسلّحين بقرار أساتذتهم، مشاركتهم في صنع القرار عبر إعلان إقفال أبواب الجامعة. ونظّموا لقاءً داخل حرم الجامعة للتشاور في القرار وهتفوا «هيلا هيلا هيلا هو بدنا نأضرب يا فضلو». وفي السياق، برزت رسالة مفتوحة وجّهها متخرجو الجامعة للرئيس، أسفوا فيها لمحاولة واضحة لجذب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس إلى «مشروع معاكس للثورة التي هي دعوة مستمرة ومثيرة للتحول من أجل العيش الكريم». ودعوه إلى أن يكون على «الجانب الأيمن من التاريخ من أجل مجتمع أكثر عدلاً لا يميز قلة مختارة، سواء داخل حدود الجامعة أو في الشوارع من دونها».
وكان نحو 200 أستاذ في الجامعة قد قرروا أنّ «غرفة الصف الآن هي الشارع، وجميعنا مدعوون للتعلم»، باعتبار أنّ «العودة الى روتين العمل الاعتيادي في الجامعة، في ظل هذه الظروف/ هو بمثابة تطبيع مع أوضاع سياسية تتّسم بالبعد عن كل ما هو طبيعي». وأعلن الأساتذة الإضراب «بما يتماشى مع رسالتنا كمثقفين وتربويين ونقّاد اجتماعيين ويعبّر عن أهدافنا التي تتوافق مع الرسالة الأساسية للجامعة كمؤسسة ترعى ممارسات تعلمية نقدية تسهم في التحول الاجتماعي».
أندية الطلاب ومجموعاتهم وحملاتهم في الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة رفضت هي الأخرى، في بيان مشترك، قرار وزير التربية الذي أتاح للجامعات اتخاذ قراراتها، داعية إلى العمل على إفشال معاودة التدريس من خلال تنظيم التظاهرات، انطلاقاً من حرم الجامعات نفسها، والمشاركة في الاحتجاجات الشعبية.
إلاّ أن إدارات جامعات خاصة أخرى مثل اليسوعية والجامعة اللبنانية الأميركية وهايكازيان أعلنت الإقفال اليوم.
في المقابل، استفزت دعوة رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب لمعاودة الدروس والأعمال الإدارية والمخبرية أساتذة وطلاباً باتوا جزءاً في الانتفاضة منذ يومها الأول. أيوب بدا مقتنعاً، كما قال لـ«الأخبار» بأنّ التظاهرات ستكون مسائية فقط، وأنّه لا يجوز تعطيل الجامعة الوطنية، في حين أن جامعات خاصة ستعاود التعليم، وأنه أوعز إلى العمداء والمديرين التعاطي بمرونة مع كل من يتعذر عليهم الوصول إلى حرم الجامعة بفعل قطع الطرقات.
الرد أتى سريعاً من تكتل طلاب الجامعة اللبنانية الذي أعلن أن يوم غد (اليوم) إضراب، داعياً إلى اسقاط قرار التدريس في الشارع.
بدورها، استنكرت مجموعة الأساتذة «من أجل جامعة وطنية مستقلة ومنتجة» الدعوة المشبوهة وغير المسؤولة لتغييب الجامعة عن لعب دورها الوطني وعدم لحظها سلامة الطلاب في تنقلهم. وإذ رأت أنها «فرصتنا لإعادة بلورة دور الجامعة الوطنية وأهدافها»، أثنت على الموقف الشخصي الداعم لرئيس رابطة الأساتذة المتفرغين يوسف ضاهر، فيما أدانت غياب الموقف الرسمي للهيئة التنفيذية في هذا الصدد. وعلمت «الأخبار» أن ضاهر لم يستطع أن ينتزع قراراً جامعاً من الهيئة للانضمام إلى «انتفاضة الشعب»، نظراً إلى الحسابات السياسية لدى أعضائها، والموقف لم يتجاوز المساندة. ومع ذلك، يشارك طلاب وأساتذة وموظفون، في تحرك ينفذونه عند الثانية عشرة ظهر اليوم، أمام تمثال رياض الصلح.
وبعدما ترك وزير التربية في الأيام الماضية لإدارات المدارس تقدير الظروف المحيطة بمؤسساتهم واتخاذ القرار المناسب حول استئناف التدريس أو الاستمرار في الإقفال، أتى قراره أمس مفاجئاً لجهة الدعوة إلى استئناف التدريس صباح اليوم والعمل بكل الوسائل للتعويض عن أيام التعطيل التي فرضتها الظروف الراهنة. ولم يمض وقت طويل حتى أصدر شهيب بياناً ثانياً يبرر إعادة فتح المدارس بالحرص على مصلحة الطلاب وتلقيه مراجعات متكررة من أولياء الأمور واستئناف الدراسة في الكثير من المدارس في مناطق عدة. لم يقنع الأساتذة والطلاب ما قاله الوزير لجهة أن قراره لا ينطلق من خلفية سياسية أو أي نية للتضييق على التحركات الشعبية. إلا أن شهيب عاد وأصدر بياناً ثالثاً أعلن فيه إقفال المدارس والثانويات والمعاهد الرسمية والخاصة حتى إشعار آخر، بسبب الاستمرار في إقفال الطرقات.
ووسط السبات الخريفي لروابط الأساتذة والمعلمين في التعليم الثانوي والابتدائي والمهني الرسمي ونقابة المعلمين في التعليم الخاص وغيابها عن المشهد الشعبي، دعا التيار النقابي المستقل جميع الأساتذة والطلاب وكل الفئات الشعبية إلى البقاء في الشارع لاستمرارية الانتفاضة التي تؤسس للبنان جديد. وكذلك فعل تجمع «نقابيون ونقابيات بلا قيود» في التعليم الخاص.
ولمشاركة الطلاب في صناعة المستقبل، ناشد اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة أن يمسك طلاب لبنان الشارع والساحات ويولدوا دينامية حوار حول رؤاهم وآمالهم ونظرتهم للبلد، على خلفية أنّ الوطن أهمّ من الشهادة المدرسية.