في وطن العسل والبخّور، كل شيء على ما يرام. الهواء مسموم، والمياه ملوّثة، والخُضَر مسرطَنة، واللحوم فاسدة، والأميّة مستشرية، والجوع يعضّنا، والزبالة تطمُّنا، والمجارير تبتلعنا، والمؤسّسات فارطة، والسلم الأهلي متآكّل، والبنى التحتية متصدّعة، والليرة منهارة، والاقتصاد مترنّح… كلّه تمام التمام يعني. لكنْ هناك شيء ناقص في هذه الصورة النموذجيّة، كي تكتمل الفرحة. لا يزال عندنا «شويّة» أشجار، رغم انحسار الثروة الحرجيّة، والكوارث البيئية المختلفة، تلك التي لم ينخرها السوس بعد، ولم يسطُ عليها القراصنة، ولم يقتلعها برابرة «التوسع العمراني»… وكان من الطبيعي أن نتخلّص منها، في يوم من الأيّام. كيف لم نفكّر في ذلك قبل الآن؟ تصوّر أننا كدنا نفوّت علينا هذه الكارثة اللطيفة، لولا أن القدر ابتسم لنا أخيراً، وغمرَنا برأفته. لبنان ليس روما العظيمة عاصمة الإمبراطوريّة، لكنّ نيرون لبناني بامتياز… وها قد بات بوسعه أخيراً، أمام مشهد النار العظيمة التي اخترقت ليلنا، أن يكتب قصيدته العصماء.

إن النيران الفظيعة التي اكتوينا بها منذ فجر الثلاثاء، هي «القصاص» حتماً، لكنّها قد تكون «الخلاص» في عقلنا الباطني المهزوم... وهي «المؤامرة» أيضاً عند بعض العقول المستلبة! ألسنة اللهب تبدو مجازاً عن الانهيار العظيم الذي استبدّ بلبنان، وبات «قدَراً» لا يمكن إيقافه. لعنة إغريقيّة؟ بل المرآة التي تعكس عجزنا وضعفنا وتواطؤنا وتخاذلنا وتنازلاتنا، وجهلنا وتعصّبنا وهمجيّتنا، وتورّطنا في موتنا الآتي. نحن أشعلنا الحرائق، لكنّنا لا نعرف ذلك. نحن أحرقنا أنفسنا، لنحتفل بموتنا، ونرقص كالدببة حول الأحراج والبيوت المضطرمة. إن النيران التي هبطت علينا مع لعنات السماء، لتحوّل المشرف والدبيّة والدامور (وبلدات أخرى في الشوف وعكّار والجنوب) إلى مناطق منكوبة، رسالة إلى الشعب اللبناني، تقول له أنت القتيل، وأنت القاتل أيضاً، وأنت شاهد الزور على الجريمة. ليس أبلغ من الصورة التي انتشرت على مواقع التواصل، تجسّد العلَم اللبناني وقد استُبدلت أرزته بشجر النار.
«مجاهدو» الدفاع المدني الذين امتصّ نظام الهدر والفساد دماءهم وهضم حقوقهم، واجهوا النار بأجسادهم العارية. أين حرّاس الأحراج؟ تذكّرنا فجأة. ينتظرون أن تفكً المادة 95 أسرهم. أين طائرات الـ«سكورسكي»؟ إنّها غير صالحة يقول بعض السياسيين، أو غير مصانة يقول بعضهم الآخر، وفي كلتا الحالتين ترمي حمولتها بعيداً عن البؤر المستعرة. مشهد الحريق العظيم هو في الحقيقة ذروة المأساة: حكاية شعب متروك لقدَره. يكشف اللبنانيون للمرّة المليون أنْ «ليس لهم أحد»، وأن دولتهم ــــ دولة العار وقاطعي الطرق المسؤولين عن ويلاتهم ــــ عاجزة، متخاذلة، لامبالية. كما في الأساطير القديمة، أهل طيبة يحاصرهم الطاعون، وليس من منقذ. يغضب اللبنانيون قليلاً على الطبقة الحاكمة التي لا تشبع من نهش جثثهم الشهية، وتمسك بخناقهم بمختلف تقنيّات الترغيب والترهيب، ووسائل التضليل والتزوير والتجهيل والتخويف. يغضبون قليلاً، ثم يستأنفون المسيرة، كل داخل قطيعه، على درب الآلام.
قبل أسابيع، أربعة وزراء ــــ اثنان منهم تلاحقهم تهم فساد وسوء إدارة خطيرة ــــ أقاموا احتفالاً صاخباً أمام كاميرات التلفزيونات، مفتتحين شبكة إنترنت «فايف دجي» غير مفيدة لأحد، عدا أنّها تعمل فقط داخل صالونات الدرجة الأولى في مطار بيروت. توقّعوا أن يطلع علينا أباطرة النظام بحل سحري لحماية ما تبقى من أحراج لبنان: لماذا لا نبيعها بسعر رمزي إلى القطاع الخاص، فهو يعرف كيف يصونها؟ فكروا فيها: «خصخصة» الأحراج هي الحل! في جمهوريّة الموز، كل شيء على ما يرام. الهواء مسموم، والمياه ملوّثة، والطعام مسرطَن، والاقتصاد مترنّح، والثروات الطبيعية المقبلة مسروقة قبل استخراجها… والناس ينتظرون الزلزال. والنظام المافيوي صامد على قبورنا، فيما الطوائف تتقاسم المنافع أو «تتهاوش» عليها. أباطرة السلطة حصّنوها بالطائفية والمحسوبيات والجهل لتبقى حكراً عليهم… وها هم في قلب الأزمة القاتلة يواصلون النهب والمحاصصة، ويقترعون على جسد البلد المحتضر. ثم يعطوننا دروساً في الوطنية والوحدة واللاطائفية. كيف تريدون للبنان ألا يفرط، وألا يحترق؟
كانت تنقصنا هذه الكارثة، لنتذكّر أن علينا أن نموت. لكي نسمع نائباً أرعن، يتساءل عن «سرّ اشتعال الحرائق في مناطق المسيحيين دون سواها»، قبل أن يبرر لاحقاً الخطأ العبقري بحماقات أفظع منه! سعادته لا يمكن أن يشكّ لحظة أن الخطاب الطائفي الذي ينشره كالعدوى هو نار جهنّم. ثم سمعنا زميلاً آخر له، من الكتلة السياسية إيّاها، إنما يضاهيه حماقة ووقاحة، يغرّد معلّقاً على لقطة فيديو سرياليّة، هاذية، لا يمتلك أي وسيلة لفهمها إلا من خلال وعيه الانعزالي المذعور: «لسنا شعباً واحداً (…) وتنوع الثقافات وانحطاط بعضها سيمنع لبنان من قيامته». نعم؟ «انحطاط» «بعض» «الثقافات»؟ بمعزل عن التعالي العنصري، فإن رد الفعل هذا خير تجسيد لعقدة اضطهاد مزمنة: «أنا الضحيّة، والآخرون يضمرون لي شرّاً». هذا هو الوعي الانعزالي بامتياز! إذا كان من مؤامرة على العهد ــــ الذي يواجه حرباً شعواء بلا شك بسبب خياراته الوطنيّة التاريخيّة ــــ فلا تبحثوا عنها في الحرائق! وعيكم الطائفي هو المؤامرة الحقيقية، والوصمة التي تمنع نهوض لبنان. أذكر أن شخصيّة معروفة احتجّت يوماً على رفع الضرائب على الخمور، بحجة أنّها «مؤامرة على المسيحيين». ذاك الرجل لا يعرف تقاليد الشراب، ولا يعرف لبنان، ولا يعرف اختيار ندمائه. حين يندلع حريق بعد اليوم في لبنان، ابدأوا بمعرفة الصبغة الطائفية للمنطقة المنكوبة، قبل أن تتورّطوا في أي موقف…
خلال اليومين الماضيين، كان اللبنانيون يواجهون النار بما تيسّر لهم من نخوة وعزيمة. في بعض الأماكن، راحوا يطفئونها بالغالونات. اسألوا أيتام الشهيد سليم أبو مجاهد عن الثمن الذي دفعوه. من كل حدب وصوب جاء المتطوّعون، بلا دمغة الطائفة أو القبيلة. فتحوا بيوتهم وشمّروا عن سواعدهم، وقدّموا المساعدات… حركات التضامن الشعبية مدهشة وتعطي فكرة عن الوطن البديل الممنوع عنّا. هذا رائع، هذا عظيم… لكن هل سيقود إلى أي مكان؟ لعلّ وضعَنا يشبه أكثر ذلك المشهد السريالي الهاذي الذي صدم النائب الانعزالي. كانت مجموعة من الناس تتفرّج على مشهد اشتعال عمود التوتر العالي، ثم انفجاره، وتضحك وتصفّق وتطالب بالإعادة! نعم مشهد صادم، لعلّ هؤلاء الناس يرون في النار خلاصهم، والحل النهائيّ لمأساتهم. هل تعرف تلك اللحظة، في رحلة الانهيار العظيم، حين تتربّع في قلب الكابوس ولا يعود يهمّك شيء؟ لا تعود تخاف من نهاية مفجعة، ولا تعود تأبه لخسارة مهما عظُمت. يتعطل المنطق والإحساس بالكارثة، تنقلب اللوعة بهجةً، والانهيار احتفالاً؟ إنه مسرح اللامعقول. اللحظة الشيطانية التي نعيشها الآن في لبنان. لقد فقدنا الإحساس بالألم. فقدنا الأمل.