لم يكن أهالي الدبية وضهر المغارة ومزرعة الضهر والدامور بحاجة إلى دليل إضافي على تخلي الدولة عنهم في أسوأ ظروفهم. أولئك الذين خبروا ويلات الميليشيات في الحرب والتهجير والتدمير، لم تكن حرائق اليومين الماضيين أكبر مصائبهم. هم لديهم خبرة في البدء من الصفر أو من تحته، في حال تضررت منازلهم وأرزاقهم. المشكلة لدى الدولة التي لا تتعلم من أخطائها وتبقى في حالتي الصدمة والإرباك، عند وقوع الكارثة، ولو كانت هذه الكارثة غير مفاجئة. «هذا ليس الحريق الأول». تعليق أجمع عليه المحاصرون بالنار أمس في ساحل الشوف. اعتادوا اندلاع حرائق مماثلة بفعل هبوب الرياح الحارة أو بفعل فاعل. لكن حجم الحرائق الأخيرة كان أكبر من المتوقع ومن إمكانيات المواجهة.

أمام حديقة المنزل في بلدة المشرف، تركزت أولوية الرجل السبعيني على إخماد الحريق المشتغل في جذع زيتونة ثبتها للزينة وسط العشب الأخضر. استعان بإبريق صغير لمواجهة النيران. من حوله، تحول حرج الصنوبر إلى كومة من الفحم بأحجام مختلفة. استفحلت النيران في منزل مهجور منذ الحرب الأهلية. فتكت بالعشب اليابس على شرفاته ونوافذه وأكملت على الأشجار التي تخبّئه. أمام هدوء الرجل، انهمك عناصر من بلديات الغبيري وصيدا وبقسطا واتحاد بلديات الضاحية في مدّ أنابيب المياه من صهاريجهم، وتعقب الحريق. آزرهم عناصر من بلديات إقليم التفاح، وأصحاب صهاريج تبرّعوا للمشاركة في إطفاء الحريق. تركزت مهمتهم منذ صباح أمس على تبريد الأرض لمنع اشتعال النيران التي عمل الدفاع المدني طوال الليلة السابقة على إخمادها.
لم يتسنّ لعناصر الدفاع المدني أخذ قسط من الراحة عند انبلاج الفجر. النار لاعبتهم لعبة الكر والفر. ما إن يخمدونها هنا حتى تشتعل هناك. عند الظهر، انحصرت حدة النيران في محيط مدرسة الكرمل وجامعة رفيق الحريري. تعاون الدفاع المدني مع قوات مكافحة الشغب والجيش والبلديات والهيئة الصحة الإسلامية وكشافة الرسالة الإسلامية والدفاع المدني الفلسطيني – فوج عين الحلوة، على إخماد النار التي التهمت مئات الدونمات من التلال والأحراج. الجنائن والملاعب والمسابح التي تحيط بفيلات وقصور أعالي المشرف، شكلت حاجزاً بينها وبين ألسنة النيران. لم يشهد الحي «الأرستقراطي» في البلدة دخول أي كان. لكن النكبة كانت أكبر من الثراء والاحتياطات اللوجيستية والبيئية التي لحظها مصمّمو «القرية النموذجية». لم تنفع اللافتات التي تدعو إلى الحفاظ على المشرف خضراء وعدم رمي النفايات وتجنّب أسباب الحريق. تنبه المصمّمون لأصغر التفاصيل إلا وضع مآخذ المياه في الخدمة! لم يستطع الإطفائيون إكمال مهماتهم بسرعة، لأنه لا مياه في جميع المآخذ. يلفت أحد المسؤولين في الدفاع المدني إلى أن مشهد المآخذ المعطلة يتكرر في جميع المناطق خارج بيروت. من فوقهم، كانت طوافة تابعة للجيش تسابق الحرائق. تعبّئ المياه في خزان صغير معلق بها ثم تتوجه لرميه فوق مصادر النيران.

رغم عدم سقوط ضحايا بين السكان، يشعر بعضهم بأن النار نفذت «مجزرة الدامور 2»


استحوذت المشرف على أولويات الدولة. تفقدها وزيرا الداخلية والبيئة ريا الحسن وفادي جريصاتي والأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير. لكن الكارثة لم تكن هناك فقط. الأضرار في الدبية وضهر المغارة كانت الأكبر. طالت النيران عشرات الشقق في التجمعات السكنية التي ارتفعت مكان الأحراج. لم يبق منها سوى شجرات قليلة احترقت أمس وأحرقت ما حولها. تتحسر السيدة الأوكرانية على عجز الأهالي عن إخماد الحريق الذي طال المساحة الخضراء المخصصة للعب أطفال الحي. «اعتمدنا على الدلو، لكن النيران كانت أكبر منا هذه المرة». معظم سكان التجمعات السكنية في خراج الدبية نزحوا إلى السعديات والجية وبيروت. الحريق طال خطوط التوتر العالي التي تمر فوقها وتسبب في اشتعال عدد من المولدات الخاصة. الخوف في ضهر المغارة كان مضاعفاً بسبب وجود عدد من المصانع وسط الأحراج، منها معمل لقوارير الغاز. النكبة في الدامور لم تكن أقل من مثيلاتها في البلدتين غير البعيدتين. يضرب أبو هنري يده على جبينه صارخاً: «شو اللي عم يصير معنا». وقف عاجزاً أمام تجدّد الحريق قرب الطريق الداخلية للبلدة بجوار المنازل. كان الأهالي قد اطمأنوا إلى أن الدفاع المدني قد أخمد الحريق نفسه صباحاً. لكن ومن دون سابق إنذار، ارتفعت ألسنة اللهب بعد ساعات الظهر. ورغم عدم سقوط ضحايا بين السكان، يشعر بعضهم بأن النار نفذت «مجزرة الدامور 2» غدراً، فيما الأهالي محاصرون وعزّل. بعد منتصف ليل الإثنين، فوجئ النائمون باندلاع النيران واقترابها من منازلهم. ترك البعض سياراتهم وحاجياتهم في منازلهم ولجأوا إلى منازل الأقارب في الأحياء القريبة من الأوتوستراد أو في الناعمة وبيروت. عشرات السيارات ابتلعتها النيران.
في جبل الشوف الجنوبي، تركز الحريق في مزرعة الضهر ومزمورة وخربة بسري. النيران طاولت كروم الزيتون الواقعة عند خراج البلدات. دأب الدفاع المدني ومروحية الجيش على إخماد النيران، لكنهم لم يفلحوا. اختنق عناصر الدفاع المدني بإمكانياتهم المتواضعة. مع ذلك، لم يتوان أحد رؤساء البلديات عن اتهامهم بالتقصير. اتهام أثار نقمة الأهالي الذين ذكروه بأنهم «متطوعون في خدمة دولة عاجزة». وسط التلاسن بين الإطفائيين ورئيس البلدية، وصلت وحدة من اليونيفيل التي حضرت للمؤازرة في إطفاء الحريق بطلب من الدفاع المدني. طويلاً حدق أحد العناصر بـ«الإطفائجي» النمساوي الذي لا يشبهه سوى باستعداده لمواجهة النيران. اللبناني اقتحم الجحيم بصدر عار، فيما النمساوي كان مدجّجاً ببزة مدرعة. غادر الجمع بعد محاصرة النيران، مخلفين وراءهم أكواماً من قناني المياه البلاستيكية التي وزعها متطوعون.