حين تصلك نسخة الاستدعاء، تظنّها للوهلة مزحة غليظة، أو تخطيطاً أوليّاً لسيناريو أو قصّة سريالية. لكن محامي «الأخبار» لا يمزح في هذه الأمور، كما أننا لا نعرف له ميولاً أدبيّة معلنة. تصوّروا شخصيّة مرموقة، على رأس صرح أكاديمي عريق مثل الجامعة الوطنيّة، وقد استبدّت به نوبة هذيان عنيفة، فصحا ذات يوم وهرع بالبيجاما إلى قضاء العجلة: «النجدة! الأشرار!… إنّهم يحاصرون منزلي، ويطاردونني في الشارع». تمتد له يدٌ بكوب الماء، وتربت الأخرى برفق على كتفه… إنّها القاضية، لكن لسبب غامض، تلبس بلوزة بيضاء، كأنّها معالجة نفسيّة: «لا تخف أنت هنا في مأمن من المخاطر. تنفّس بعمق، إجلس، إشرب. برافو! حسناً، الآن قل لي من هم هؤلاء الأشرار يا شطّور؟ وماذا فعلوا بك؟»…

لولا ظاهره الكاريكاتوري، لما كان هذا المشهد بعيداً عن الواقع. فجأة، ومن دون سابق إنذار، قرر رئيس الجامعة اللبنانية، الدكتور فؤاد أيّوب، أن يشن حرباً شاملة على الاعلام اللبناني الذي اتحد على ما يبدو ـــ ولأوّل مرّة في تاريخه ربّما ـــ على قضيّة مشتركة، ألا وهي التنكيل برئيس الجامعة اللبنانية، ونشر الشائعات والأكاذيب بحقّه، والإمعان في تشويه سمعته والاساءة إلى صورته. خمسون جهة إعلاميّة، تكاد تشكّل معظم ما في لبنان من جرائد وراديوهات وتلفزيونات ومواقع وحتى صحافيين شاردين في العالم الافتراضي، يتهمهم مجتمعين بالضلوع في مؤامرة كونيّة ضدّه، تحرك خيوطها حفنة من الأساتذة الأشرار («الفاشلين» على الأرجح)، في جامعتنا الوطنيّة. البروفسور أيّوب مقتنع أنه ضحيّة حملة «تشهير ممنهج ومستمر»، تهدف إلى «النيل من سمعته». «حملة لا أساس لها من الصحّة»، من شأنها لو تواصلت أن «تنال من هيبة الجامعة اللبنانيّة، كصرح تعليمي وطني، وأن تحط من شخص رئيسها، ومركزه الوظيفي والأكاديمي»، كما يكتب موكّل الرئيس، بكل ثقة، في الاستدعاء الذي تبلغناه يوم أمس.
أما تلك «الحملة» العتيدة، فلن يستطيع حتى ميشال حايك أن يفك طلاسمها ويستنبط لها محوراً واضحاً. ذلك أن قائمة المقالات والأخبار والتعليقات والمنشورات والتغريدات التي يجرِدها المستدعي، مطالباً بحذفها وشطبها من باب «إزالة التعدي»، لا قاسم مشتركاً بينها، ولا يجمعها سوى التطرق إلى أداء الدكتور أيّوب ومواقفه وقراراته ومذكراته الاداريّة وقضايا أخرى تتعلّق بالجامعة اللبنانيّة. مئات النصوص المختلفة والمنوّعة، المكتوبة من زوايا متعددة، وبنبرات وأساليب متفاوتة الحدّة. في «الأخبار» مثلاً، كتبت الزميلة فاتن الحاج في 26 شباط 2018، عن السجال الدائر حول «صلاحيّات الرئيس»، على اثر مذكرة توجيهية أصدرها آنذاك، جازماً إنّه «الرئيس الإداري والأكاديمي الأول في الجامعة، وإنه يملك، سلطة إصدار التعليمات الملزمة لأفراد الهيئة التعليمية والإدارية». وتجدر الاشارة إلى أن هذا الكم من «الافتراءات» المفترضة، (أحياناً مقالات عدّة بتواريخ ومواضيع مختلفة على الموقع الواحد)، يمتد بين العامين 2016 و… 2019! أي أن المؤامرة مستمرّة من زمن ليس بالقصير. ولن يكتفي حضرة الرئيس بإزالة كل أثر، عمليّاً، لما كتب عنه في السنوات الأخيرة ـــ لتكون لو تمّت سابقة فريدة في تاريخ النشر والصحافة ـــ بل يطلب من المحكمة منع هذه الوسائل الاعلاميّة المشبوهة، والمتآمرة عليه، من تناول شخصه الكريم من الآن فصاعداً!
كيف تكون كل هذه المنابر الاعلامية والمواقع الاخباريّة مخطئة، وفؤاد أيّوب وحده على صواب؟ كيف اتفقت على نشر عشرات الأخبار في مواضيع مختلفة وعلى امتداد ثلاث سنوات، كلّها تذم به وتقدح، وتلوّث سمعته؟ هل لفت أحد نظر الرئيس الى أن عمل الصحافة مبدئيّاً، وحتى إشعار آخر، هو مراقبة اداء المسؤولين والشخصيات العامة، خصوصاً على رأس مؤسسة بأهمية الجامعة اللبنانية، ومحاسبتهم ومساءلتهم وانتقادهم؟ ماذا لو افترضنا أن خمسة في المئة فقط من النقد الموجه إليه، ربّما كان فيه «شيء بسيط من الصواب»؟ هل خطر بباله أن يعيد النظر بأدائه وببعض مواقفه؟ أم أنّه معصوم عن الخطأ، وشخصه الكريم فوق النقد، وأهم من مصلحة الجامعة الوطنيّة؟ هذه الجامعة التي نتمنّى عليه، بدلاً من السعي إلى تكميم الاعلام، لو يزيد من اهتمامه بمشاكلها الماليّة والبنيويّة والأكاديميّة والإداريّة والمهنيّة والطلابية والسياسيّة؟
نفهم أن يدّعي رئيس الجامعة على موقع أو إثنين أو… خمسة افترت عليه، ونشرت عنه أخباراً غير دقيقة… لكن الادعاء الجماعي الذي ارتكبه يثير الريبة، وربّما السخرية، بل القلق. أحقّاً الاعلام اللبناني برمّته يضمر له شرّاً؟ الطبيبة التي التقيناها في المشهد الأوّل، ستحتار في طريقة التعامل مع المستدعي الذي التجأ إليها. هل تبدأ من عقدة الاضطهاد؟ أم من الأفضل التركيز على جنون العظمة؟ عذراً سيدتي القاضية، فإن هذه مقالة أيضاً سيطالب الدكتور أيّوب بمحوها من الوجود.