اقترب موعد صدور الحكم في حق أربعة لبنانيين اتهمهم مدع عام أجنبي بالضلوع في اغتيال رئيس مجلس وزراء سابق يوم 14 شباط 2005، مستنداً الى معلومات هشّة أساسها تحليل حركة اتصالات هاتفية، ومطالباً عدّ تحليلاته دليلاً قاطعاً لا يحتمل الشك. المحكمة الدولية لم تتهم أي ضابط او سياسي إيراني أو أي متطرف سعودي أو افغاني أو أي مسؤول سوري كما كان يعتقد البعض، بل خلصت الى نتيجة قد تؤدي الى تحريض لبنانيين على بعضهم بعضاً، من خلال تشديد المدعي العام فيها على ان المتهمين ينتمون الى حزب الله والى طائفة ومذهب محدّد، وتأكيده ان لا دوافع فردية لاغتيال الحريري بل دوافع جماعية. نبدأ اليوم بنشر الحلقة الاولى من سلسلة مقالات بشأن المحكمة الخاصة بلبنان، تهدف الى كشف حقيقة المسار السياسي والقضائي الذي سلكته هذه القضية منذ وقوع الجريمة التي هزت لبنان ونقلته من مرحلة الى أخرى. الحلقة الاولى تعرض تجاوز المحكمة الدولية للسيادة الوطنية اللبنانية وكيف عزف قضاتها على وتر مجلس الامن الدولي في صياغة نظام قضائي فُرض على لبنان وهو غريب عنه. والفضيحة تكمن في تقديم الدولة اللبنانية محكمة دولية ذات اختصاص ضيّق على المحاكم الوطنية التي تنظر في آلاف القضايا. فبند تمويل المحكمة الدولية بعشرات ملايين الدولارات بات واحداً من بنود موازنة الدولة لا يجرؤ أحد على المس به بينما يبحث السياسيون في زيادة الرسوم والضرائب على المواطنين وخفض رواتب القطاع العام. علماً ان مصاريف المحكمة الدولية الباهظة لا تخضع لرقابة ديوان المحاسبة،وهي تحجب تقريرها المالي عن اللبنانيين. وبالتالي فان تمويل لبنان للمحكمة الدولية يثبت ان مال الخزينة سائب. والحرام قد يكون الدرس الأهم الذي يمكن ان نتعلمه كلبنانيين من هذه المحكمة، ليس فقط بما يعني التمويل، بل بما يخص اثارة النعرات المذهبية من خلال تشديد المحكمة على انتماء المتهمين الى مذهب محدد، ومن خلال الإشارة الى رمزية الضحية المركزية بالنسبة لمذهب آخر.

إنّ إصرار جزء من اللبنانيين على الاحتكام إلى جهات دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وآخرين، خلال الفترة الزمنية التي تلت ١٤ شباط ٢٠٠٥ يحتمل تفسيرات متعددة ومتناقضة أحياناً. لكن لا شك في أن أحد أسباب ذلك الإصرار، ضعف الثقة بالقضاء المحلي وبالضابطة العدلية التي يفترض أن تخضع له. وبالتالي، إن المطالبة بتدخل خارجي لم تكن من أجل إحقاق الحق في قضية اغتيال رئيس سابق لمجلس الوزراء وحسب، بل كانت بمثابة نداء استغاثة لإصلاح الخلل القائم في نظام العدالة في لبنان.
التحدي الأساسي في هذا الإطار كان في تحديد ذلك الخلل. وهنا تفوقت الاعتبارات السياسية على المنهجية الموضوعية، واقتصر أسلوب تحديد الخلل على أمور هامشية، حيث إنه ساد اقتناع لدى فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين بأن الخلل الأساسي في جميع القطاعات، بما فيها قطاع تأمين الحقوق عبر القضاء، يكمن حصرياً في النفوذ السوري المهيمن عليها. وبالتالي اقتصر تحرك المطالبين بالحقيقة والعدالة على كفّ يد السوريين عن لبنان. لكن حتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان ٢٠٠٥، لم تطلق أي مبادرة وطنية شاملة لإصلاح المؤسسات القضائية في لبنان. وتزامن امتناع القيادات اللبنانية عن الإصلاح الجدي للقضاء مع استمرار جرائم التفجير والاغتيال السياسي، ومع ارتفاع صوت المطالبين بإنشاء محكمة دولية.

خاصّة بلبنان وغريبة عنه
تعتمد المحكمة الخاصة بلبنان مزيجاً من القوانين اللبنانية (القوانين الموضوعية) والمعايير والإجراءات الدولية (القوانين الإجرائية). لكن ذلك المزيج الذي منحت المحكمة بسببه صفة «المختلطة» تحدد من خلاله نظام خاص لمحكمة خاصّة، لا يشبه نظام الإجراءات القضائية اللبناني، بل يخالفه أحياناً ويتجاوز بعض أهم ميزاته أحياناً أخرى. لكن قبل الشروع في التوسع في ذلك، لا بد من التوقف عند عملية صياغة النظام الأساسي للمحكمة خلال عامي 2006 و2007.
مجلس الأمن الدولي كان قد طلب من الأمين العام للأمم المتحدة في 29 آذار 2006 التفاوض مع الحكومة اللبنانية بشأن «اتفاق يرمي إلى إنشاء محكمة ذات طابع دولي، استناداً إلى أعلى المعايير الدولية في مجال العدل الجنائي» (القرار 1664). ونشرت المسودة الأولى للنظام في ٨ أيلول 2006 في صحيفة «النهار»، ذكر فيها أن للمحكمة الخاصّة سلطة ممارسة اختصاصها على الأشخاص المسؤولين عن الجريمة الإرهابية كما هو منصوص عليه في المادّة 314 من القانون الجزائي اللبناني، واتّفاق 1998 العربي حول القضاء على الإرهاب (المادّة 2).
تعرّف المادة 314 الأعمال الإرهابية بـ«جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر» واتفاق 1998 العربي حول القضاء على الإرهاب، فيعرّف الإرهاب بـكلّ فعل «يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر».

تزامن امتناع القيادات اللبنانية عن الاصلاح الجدي للقضاء مع استمرار جرائم التفجير والاغتيالات

غير أن مجلس الأمن كان قد استبق كل ذلك، مصنفاً الجريمة ساعات قليلة بعد وقوعها (من خلال بيان رئاسي صدر عنه يوم 15 شباط 2005). حيث إنه، قبل ختم التحقيقات الأولية التي تحدد أهداف هجوم 14 شباط 2005 وغايته، عدّ المجلس الهجوم جريمة إرهابية، وذلك في ظل غياب معايير واضحة لهذا التصنيف، علماً أن لا تعريف قانونياً دولياً موحداً للإرهاب. أما مسوَّدة نظام المحكمة، فلم توضع في متناول نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، وفي متناول كليات الحقوق وجمعيات حقوق الإنسان وسلطات محلية مستقلة لبحثها والتدقيق في مضمونها، بما يضمن حقّ الدفاع وحقوق الإنسان وشروط المحاكمة العادلة في هذه القضية. لا بل اقتصر البحث في صياغتها على لجنة عليا ضمّت رئيس الدائرة القانونية في الأمانة العامة للأمم المتحدة آنذاك نيكولا ميشال، والقاضيين اللبنانيين رالف رياشي وشكري صادر. واللافت أن القاضي رالف رياشي عُيّن لاحقاً نائباً لرئيس المحكمة الخاصة بلبنان. وبذلك يكون القاضي نفسه الذي شارك في صياغة نظام المحكمة هو من تولى ثاني أرفع منصب فيها. ويشكل ذلك خروجاً عن أبسط قواعد الفصل بين من صاغ النظام ومن سيحاكم بموجبه.
لكن، ما صلاحيات المحكمة الدولية، وهل تتفوق على المحاكم الوطنية؟
نظام المحكمة الخاصة بلبنان يمنحها والمحاكم اللبنانية سلطة مشتركة لممارسة اختصاصها، لكن «للمحكمة الخاصّة أوّلية على المحاكم اللبنانية» (المادّة 5 من قواعد الإجراءات والإثبات). ويعدّ النظام الأدلّة التي جمعتها السلطات اللبنانية أو لجنة التحقيق الدولية المستقلّة قبل إنشاء المحكمة الخاصّة «مقبولة من المحكمة»، إلا إذا قرّر قاضٍ ما قبل المحاكمة (القاضي البلجيكي دانيال فرانسين) أو غرفة المحاكمة أو الاستئناف (وفي كلتا الغرفتين أكثرية قضاة أجانب، بمن فيهم الرئيس) خلاف ذلك» (المادّة 20).

اختلاف وتخلّف
إن الفارق الواسع بين تسلسل إجراءات المحكمة الخاصة بلبنان وقواعد الإثبات وصلاحيات القضاة والمدعي العام والمحامين فيها من جهة، وبين مقتضيات القوانين اللبنانية من جهة أخرى، أدى إلى صعوبات محلية في متابعة أعمال المحكمة والقرارات الصادرة عنها وفهمها. وأدت هذه الصعوبات إلى تغييب النقاش الجدي الموضوعي والعلمي بشأن المحكمة في بعض الأوساط، وإلى انتقادات حادة واتهامات بتسييس المحكمة وبخضوعها لإملاءات القوى الغربية في أوساط أخرى.
ونورد في الآتي بعض أبرز أوجه الاختلاف بين نظام المحكمة الخاصة وقانون أصول المحاكمات اللبناني:
- في المحكمة الخاصّة تستمرّ تحقيقات المدعي العام حتى بعد صدور القرار الاتهامي، ويُسمح له تعديل مضمون هذا القرار بعد صدوره. وهو أمر لا يتناقض مع النظام القضائي المحلي وحسب، بل يثير كذلك تساؤلات موضوعية بشأن تحضيرات فريق الدفاع نظراً لاحتمال تغيير المدعي العام القرائن التي استند إليها القرار الاتهامي خلال سير المحاكمات. لكن الأكثر غرابة، إتاحة قواعد الإجراءات والإثبات للمدعي العام حق إصدار قرار اتهامي سرّي (المادة 74).
- لقضاة المحكمة الخاصة بلبنان صلاحيات تتجاوز صلاحيات زملائهم في المحاكم اللبنانية. واللافت منح القضاة صلاحية تشريعية، حيث إن النظام الأساسي للمحكمة الخاصة يكلف القضاة وضع قواعد الإجراءات والإثبات وتعديلها متى شاؤوا من خلال التصويت عليها خلال اجتماعات دورية.
- كما في النظام القضائي المحلي، تجيز المحكمة الخاصة السير في المحاكمات الغيابية، لكن الغريب أنْ أتى في تعيين المحكمة الخاصة بلبنان محامون يمثلون حقوق الأشخاص المتهمين غيابياً ومصالحهم، بينما جاء في قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه «بعد أن تقرر المحكمة محاكمة المتهم بالصورة الغيابية يأمر الرئيس بتلاوة قرار الاتهام وسند تبليغ قرار المهل والمحضر الذي يثبت نشره وتعليقه. ثم تستمع لأقوال المدعي الشخصي ولمرافعة ممثل النيابة العامة، وتختم المحاكمة» (المادة 286 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).

ساد اقتناع لدى فئة من اللبنانيين بأن الخلل في القضاء يكمن حصراً في النفوذ السوري المهيمن عليه


وقد تكون الحجة لتعيين فرق دفاع عن الأشخاص الذين يحاكمون غيابياً هي الإيحاء بأنها محكمة عادلة من خلال تسليمها بالحق في الدفاع. لكن هذه الحجة تبدو ركيكة، لأن الأشخاص المتهمين لم يختاروا المحامين، بل فرضتهم المحكمة عليهم.
- يغيب قاضي التحقيق عن المحكمة الخاصة بلبنان، ويستعاض عنه بقاضي الإجراءات التمهيدية يخوّل التصديق على القرارات الاتهامية في ظل غياب هيئة اتهامية في نظام المحكمة الخاصة الأساسي.
- أما بشأن قانون العقوبات اللبناني، فالمحكمة الخاصة تعتمد المادة ٣١٤ لتعريف الإرهاب، لكن نظامها يتجاوز ما تقتضيه المادة ٣١٥ (التي جاءت تحت ذات النبذة الخاصة بالإرهاب) والتي تنصّ على عقوبة الإعدام. حيث إن المادة ١٧٢ من قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة الخاصة تحصر الحكم على المدان بعقوبة السجن يمكن أن تطول مدى الحياة.

عدالة انتقائية مفرطة
تجسد المحكمة الخاصة بلبنان، بحسب كل من طالب بإنشائها، القضاء العادل ويُقال إن صدقيتها تتفوق على صدقية المحاكم اللبنانية. استناداً إلى ذلك، نفترض أن احتمال تحقيق العدالة من خلال المحكمة الدولية يتفوق على احتمال تحقيق ذلك عبر القضاء المحلي. غير أن الاختصاص القضائي للمحكمة اقتصر على جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم الأخرى التي وقعت بين ١ تشرين الأول ٢٠٠٤ و١٢ كانون الأول ٢٠٠٥، بشرط أن تكون متلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري. (ويمكن أن يشمل الاختصاص كذلك جرائم أخرى وقعت بعد ١٢ كانون الأول ٢٠٠٥، بشرط أن يوافق مجلس الأمن على ذلك). قد يبرر البعض ضيق اختصاص المحكمة الدولية بالقول إن تحقيق العدالة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري يشكل عبرة يمكن الاستناد إليها لإصلاح نظام العدالة في لبنان. لكن في الحقيقة، إن ضيق اختصاص المحكمة الدولية يشكل تجاوزاً صارخاً لمبدأ حق احتكام اللبنانيين، جميع اللبنانيين، إلى القضاء العادل، من تفضيل أحدهم على الآخرين.
لا مجال اليوم لذوي الصحافي سمير قصير والنواب جبران تويني وبيار الجميّل ووليد عيدو وأنطوان غانم والضباط فرنسوا الحاج ووسام عيد ووسام الحسن وغيرهم من الذين اغتيلوا أن يكونوا من ضمن الضحايا الممثلين في المحكمة الخاصة بلبنان. حيث إنه بعد مرور سنوات على وقوع هذه الاغتيالات، لم يصدر عن قاضي الإجراءات التمهيدية الدولي قرار بضم أي من هذه القضايا إلى اختصاص المحكمة، بل اقتصر قراره على ثلاث جرائم، هي اغتيال السياسي جورج حاوي، ومحاولتا اغتيال الوزيرين مروان حمادة وإلياس المر.



مؤتمر رفع عتب اليوم في بيت المحامي
ينظم مكتب الدفاع في المحكمة الخاصة بلبنان بالتعاون مع نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس اليوم مؤتمراً بعنوان «الأدلة الرقمية وأدلة الاتصالات في المحاكمات الجنائية الوطنية والدولية». يشارك في هذا المؤتمر عدد من المحامين والخبراء القانونيين من بينهم وزير العدل السابق البروفسور إبراهيم نجار وبعض المحامين المكلفين الدفاع عن حقوق الأشخاص المتهمين الذين يحاكمون غيابياً. وبما أن تنظيم المؤتمر يتزامن مع الفترة التي يُتوقع خلالها صدور الحكم، يمكن عدّه نوعا من أنواع رفع العتب من خلال الإيحاء بأن المحاكمة كانت عادلة ومنصفة لأنها منحت الدفاع حق التشكيك، ولو جزئياً، في صدقية الدليل الأبرز الذي قدمه الادعاء ضد المتهمين: حركة الاتصالات الهاتفية.
ولا بد من التذكير ان كلفة انعقاد المؤتمر التي تتضمن جوازات واقامات وإجراءات امن المشاركين فيه والتي يسدد اللبنانيون نصفها سرّية ولا مجال لمعرفة تفاصيلها بينما تدّعي الحكومة اللبنانية الحالية التقشف وخفض الانفاق (بما في ذلك مخصصات علاج ذوي الاحتياجات الخاصة).

واجب ملاحقة قتلة الرئيس الحريري ومحاكمتهم
تحديد مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وآخرين يوم 14 شباط 2005 ومرتكبي سائر الجرائم التي سبقتها وتبعتها واجب وطني وحق لا يحتمل النقاش أو الاعتراض، لا من الناحية القانونية ولا من الناحية الأخلاقية والحقوقية. أساس الاعتراض هو على المحكمة الاستثنائية الخاصة الدولية التي أنشئت لهذه الغاية في تجاوز واضح للدستور الوطني ومجلس النواب ومؤسسات الجمهورية. الاعتراض هو على عدّ معلومات هشة وتحليلات لحركة اتصالات هاتفية من دون وجود أي تسجيلات صوتية، دليلا قاطعا لا يحتمل الشك...
أي دولة هذه التي تسمح لقاض أجنبي بإصدار أوامر لقاض لبناني يحكم باسم الشعب اللبناني فيها؟ أي دولة تصرف مئات الملايين من الخزينة من دون ان تدقق في كيفية صرفها؟ أي دولة وأي جمهورية تتيح لمسلحين أجانب استجواب مواطنيها وملاحقتهم على أراضيها؟
أما من النواحي الخاصة فما هي فائدة الرئيس سعد الحريري وتياره السياسي والرئيس السابق فؤاد السنيورة من هذه المحكمة التي يعدونها انجازاً؟ هل يعتقدون ان اللبنانيين سيسلمون بحكم هذه المحكمة؟ ام ان الحكم الغيابي المتوقع سيزيد من الشرخ بين اللبنانيين ويزيد من عناصر التحريض على بعضهم تمهيداً لجولات محتملة من الاقتتال الداخلي؟


فسّروا القانون كما يحلو لهم
اقرت اتفاقية انشاء المحكمة الخاصة بلبنان وصُدق نظامها من دون موافقة مجلس النواب اللبناني. إذ ان رئاسة المجلس كانت قد رفضت تسلم مسودة الاتفاقية من الحكومة التي كانت تعد غير دستورية يومها. تجاوز صلاحيات مجلس النواب لم يقتصر على ذلك بل شمل أيضاً وقاحة قيام قضاة المحكمة بتفسير مواد في القانون اللبناني من دون العودة الى ساحة النجمة. وكأن من حق مجموعة قضاة أجانب والقاضيين رالف رياشي وعفيف شمس الدين تفسير التشريعات من دون العودة الى المشرّع. ففي منتصف شهر شباط ٢٠١١ عقدت دائرة الاستئناف في المحكمة الدولية الخاصة جلسات علنية للنظر في تفسير المواد القانونية اللبنانية التي ستعتمدها دوائر الادعاء والدفاع والحكم. وأصدرت دائرة الاستئناف التي كان يرأسها يومها القاضي الإيطالي (الراحل) أنطونيو كاسيزي، خلال تلك الجلسات، قراراً تمهيدياً يقع في ١٥٢ صفحة يحلل ويفسّر مواد من القانون اللبناني كما يحلو له ولزملائه.
وكانت دائرة الاستئناف قد توصلت إلى هذا القرار بعد الاستماع الى الملاحظات التي أدلى بها كل من المدعي العام (السابق) دانيال بلمار ورئيس مكتب الدفاع (السابق) فرانسوا رو في جلسة علنية عُقدت في ٧ شباط ٢٠١١. كذلك تلقّت غرفة الاستئناف مذكرتين من كليتي الحقوق في الجامعة الأميركية في واشنطن وجامعة غوتنغن في ألمانيا. لكنها لم تستشر مجلس النواب اللبناني ولا كليات الحقوق اللبنانية ولا ايا من المشرعين اللبنانيين الذين يمثلون المرجع الحصري لتفسير القانون اللبناني.
لم تحرك الدولة ساكناً بل انصاعت للآليات الأجنبية من دون أي اعتراض أو استفسار عن أسباب الانتقاص من مكانة مجلس تشريعي منتخب من الشعب.