رغم كل الإجراءات الضريبية التي اتّخذت على مدى السنوات الماضية، لم يتبدّل شيء في تركيبة الاقتصاد اللبناني. فما بات واضحاً، أن أولويات الحكومة ووزارة المال هي زيادة الجباية بعيداً عن تصحيح الخلل الاقتصادي. عام 2017، ركّزت الحكومة على البحث عن إيرادات إضافية لتغطية إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ثم انغمست في الإنفاق السياسي/ الزبائني، ما اضطرها إلى زيادة الضرائب في السنة التالية لتغطية نفقاتها المتنامية، وهي تبحث اليوم عن تغطية إضافية من خلال فرض ضرائب على الاستيراد في ظل مسار انكماشي للاقتصاد.

الجزء الأساسي من هذه النتيجة، يظهر بوضوح في إيرادات ضريبة الدخل. ففي عام 2014 كانت إيرادات هذه الضريبة 742 مليون دولار، ثم ارتفعت إلى 900 مليون دولار في 2018 بسبب إقرار زيادة معدلات الضريبة من 15% إلى 17%. مفاعيل هذه الزيادة بعد احتساب نسب التضخّم والنموّ الحقيقي، تشير إلى أن الإيرادات الإضافية المحققة في 2018 بلغت 120 مليون دولار كحدّ أقصى. والأسوأ، أن هذه الإيرادات قد تتقلص أكثر في عام 2019 بسبب انكماش الاقتصاد بمعدل 1% (وفق تقديرات صندوق النقد الدولي) بدلاً من نموّه، ما يعني أن تحصيل الضرائب سيكون أصعب وستكون نتائج التشدّد فيه كارثية على الشركات التي تعمد إلى صرف العمّال، ما سيؤدي بدوره إلى نتائج كارثية اجتماعياً.
في المقابل، تظهر نتائج المالية العامة على مدى السنوات الخمسة الماضية، أن التهرّب الضريبي لا يزال في أوجه. في عام 2014 كان التهرّب مقدّراً بنحو 3 مليارات دولار، وفي عام 2018 بات يقدّر بنحو 4.8 مليارات دولار. في المقابل، يقول المدير المالي والاستراتيجي في بنك عوده، فريدي باز، إن المصارف ستدفع ضريبة أرباح بقيمة 380 مليون دولار في عام 2018 (باستثناء ضريبة الفوائد)، فيما باقي القطاعات كلّها ستدفع 520 مليون دولار، «علماً بأن قيمة الأرباح المحققة في الاقتصاد اللبناني والموزّعة على باقي القطاعات، تقدّر بحسب بأكثر من 25 مليار دولار يجب تحصيل ضرائب منها بما يساوي 4.2 مليارات دولار (على أساس معدل الضريبة 17%)».

(مروان طحطح)

طبعاً هذا الكلام لا يلغي أنه يجب على المصارف أن تتحمّل الجزء الأكبر من العبء الضريبي بين القطاعات، على اعتبار أنها تحقق جزءاً كبيراً من أرباحها من المال العام، إلا أن هذا لا يعني أن يبقى التهرّب الضريبي بلا علاج وأن تكون هناك قطاعات اقتصادية متهرّبة. الجزء الأكبر من المتهرّبين، هم المحتكرون. فبالاستناد إلى دراسة للبنك الدولي في عام 2006، إن الأرباح الريعية الناجمة عن الاحتكار في الأسواق اللبنانية (أي الأرباح الناتجة من الاحتكار فقط، لا مجمل أرباح هذه الشركات)، تصل إلى نحو 16% من إجمالي الناتج المحلي، أي نحو 9 مليارات دولار بحسابات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018. وبحسابات ضريبة الأرباح المعتمدة اليوم، يجب على هذه الأرباح المتأتية من شريحة صغيرة تدير الاحتكارات الكبيرة في لبنان، أن تتحمّل وحدها 1.53 مليار دولار، أي ما يوازي 1.7 مرات مجمل الإيرادات المحصّلة في 2018.
وفق حسابات رئيس المركز الاستشاري للدراسات عبد الحليم فضل الله، إن التقديرات عن قيمة التهرّب من ضريبة الأرباح تصل إلى 4.8 مليارات دولار «إلا أن هذا لا يعني أن بالإمكان جباية كل هذه الضرائب. هناك ما يسمى الضغط الضريبي أو الجهد الضريبي الذي يقيس القدرة على جباية الضرائب المتاحة، ففي بعض البلدان التي تشبه لبنان اقتصادياً، تصل معدلات الجهد الضريبي إلى 75%، وهي من أدنى المعدلات في العالم، أما في لبنان فالجهد الضريبي لا يفوق 55%. وبالاستناد إلى ذلك، يمكن أن تزداد الجباية الضريبية في لبنان، من خلال إجراءات عادية، بقيمة تصل إلى ملياري دولار».
فريدي باز: هناك 25 مليار دولار أرباحاً خاضعة للضريبة في لبنان


المشكلة أن دولة لبنان تسير بالعكس، سواء من خلال عدم توافر القرار السياسي الحازم في اتجاه مكافحة التهرّب الضريبي، أو عبر تفريغ الإدارة من القيادات القادرة والأمينة على القيام بدور ناجح في هذا المجال.
إذاً، في ظل هذا الواقع، هل بالإمكان زيادة الضرائب في عام 2019 وجبايتها؟ «تجربة 2018 غير مشجعة. كانت التوقعات أن تكون الجباية الضريبية أعلى بثلاث مرات مما تحقق في هذه السنة، والسبب يعود إلى أمرين: كلما زدنا معدلات الضريبة، زادت معدلات التهرّب، ودخل لبنان في مرحلة انكماش اقتصادي. لذا، ستكون هذه السنة أسوأ»، يجيب فضل الله.
في السنة الماضية، زادت الإيرادات من ضريبة الأرباح على المؤسسات والشركات إلى 900 مليون دولار مقارنة مع 644 مليوناً في 2017. بالاستناد إلى هذه الأرقام، فإن الأرباح الخاضعة للضريبة كانت تبلغ في 2017 نحو 5.29 مليارات دولار. وإذا زدنا على هذه الأرباح مفاعيل النمو والتضخّم بما قيمته 370 مليون دولار، فإن الأرباح الخاضعة للضريبة يجب أن تبلغ 5.6 مليارات دولار، أي إن الضريبة على هذه الأرباح يجب أن تبلغ 960 مليون دولار.
هذه النتيجة تأتي رغم أن موازنة 2018 تضمنت إعفاءات بالجملة للمتخلفين عن سداد الضرائب، لكنها لم تتمكن من تجاوز مفاعيل الانكماش الاقتصادي وتراجع أرباح الشركات المصرّح عنها، فضلاً عن توقيتها السيئ الذي أبقى مستويات التهرّب الضريبي مرتفعة جداً.
يعتقد فضل الله، أنه لا يجب أن تكون الضرائب عشوائية. «يجب أن نعرف أي ضرائب يكون لها أثر إيجابي على الاقتصاد، وأن يكون لها هدف اقتصادي واضح، وأن تكون نسبتها ملائمة للاقتصاد اللبناني، وأن يكون توقيتها صائباً. عام 2018، كان التوقيت غير مناسب».