يتوجه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى موسكو، اليوم، في زيارة رسمية تحمل أبعاداً سياسية وأمنية وتاريخية تتعلق بالعلاقة بين البلدين منذ كانت روسيا إمبراطورية «أرثوذكسية»، مروراً بالاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى روسيا الاتحادية.

إلا أن الزيارة تأتي في توقيت إقليمي دقيق، لأن روسيا المنغمسة في الحرب السورية في منطقة بعيدة عنها جغرافياً ودفعت فيها ثمناً باهظاً، تحاول «تقريش» النجاح الذي حققته بإعادة بسط نفوذها في المتوسط، واستثماره سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وطبعا أمنياً. وهي سعت أخيراً، ديبلوماسياً عبر الأستانة وجنيف، وعبر تركيا وإيران، إلى ذلك. لكن، لكل من الدولتين حساباتها الخاصة. إذ لا يمكن أيّاً منهما التفريط بدورها ونفوذها لمصلحة طرف آخر، ولو كان من وزن حليف كروسيا والرئيس فلاديمير بوتين. فأنقرة مهتمة بالأكراد وإدلب ومناطق نفوذ محايدة. وطهران لن تتساهل مع محاولة تقزيم دورها بعدما تمكنت من مدّ سيطرتها على دول في الشرق الأدنى، ولن تتنازل عن النجاح الذي حقّقته استراتيجيتها في سوريا والمنطقة، خصوصاً في مرحلة اشتداد الضغط الأميركي عليها. وهو السياق الذي يمكن إدراج الزيارة الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد لإيران ضمنه، وكأنها في مكان ما لاستعادته من الحضن الروسي.
إعادة روسيا استكشاف دورها في سوريا والمنطقة لم يحل دون إيلائها علاقاتها العربية اهتماماً بالغاً، ودون الحرص على عدم المسّ بعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل وعلى التواصل المستمر مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، هناك إشارات عدة تتحدث عنها تقارير ديبلوماسية واستراتيجية، إلى أن هذا التواصل مفتوح على احتمالات كثيرة، وأن المقايضات المطروحة على الطاولة تشمل كل الملفات، من أوكرانيا إلى أوروبا والشرق الأوسط، وسوريا من ضمنها. فموسكو تريد استثمار ربحها في سوريا سريعاً قبل أن ينفد مفعوله، وفي ظل مراوحة كل الملفات في مكانها، فيما يضيف الموقف الأميركي الأخير المؤيد لضمّ إسرائيل الجولان المحتل همّاً جديداً.
إذاً، يذهب عون إلى موسكو، في ظل وضع إقليمي بات أكثر تعقيداً، بين الضغط الأميركي إثر زيارتين لوزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو للمنطقة، والحسابات الإيرانية في سوريا ووضع حزب الله. وبين ما تريده روسيا من برنامج عمل يتعدى تعزيز العلاقة بين البلدين، لأن الوضع الإقليمي اليوم فيه من العناوين المؤثرة الكثير الذي يجب على الروس قوله أمام عون: النازحون، وضع سوريا وحزب الله، والتطورات المتعلقة بإسرائيل وتهديدها للبنان، وملفات اقتصادية، في مقدمها النفط.
الزيارة تشكّل أيضاً منحىً جديداً من العلاقات مع موسكو، من دون أن ننزع عنها الطابع الشخصي الذي بدأ العهد والتيار الوطني الحر استثماره، من خلال رجال أعمال وإكليروس، في ظل تشنج العلاقة مع واشنطن. لكن موسكو تعرف تماماً حدود أدوار القوى اللبنانية، وهي التي خبرت منذ زمن طويل، من خلال ديبلوماسيتها الفاعلة، كل هذه القوى ومدى فاعليتها وحضورها، وإن كانت أقرب إلى البعض من البعض الآخر. فعلاقتها مع المجموعات والأحزاب، أبعد من العلاقة مع الحزب الشيوعي، مرت بفترات من التقارب والابتعاد، والمصالح كما حصل في زمن الرئيس رفيق الحريري وفريقه الاقتصادي والسياسي. وثمة جوانب عدة للحديث عن علاقة لبنان بروسيا اليوم وتاريخياً.

موسكو تعرف أكثر من اللبنانيين دقة التوازنات الإقليمية

فخلافاً لانطباعات خاطئة في لبنان عن موقف روسيا «الشيوعية» والحرب الباردة بينها وبين واشنطن على أرضه، وموقعها «السياسي» في الحرب اللبنانية إلى جانب أحزاب يسارية، اهتمت موسكو لسنوات طويلة إيجاباً بالوضع اللبناني، وكانت تحتفظ بعلاقة ودية مع لبنان وسوريا ودول عربية. وهي راعت منذ البداية خصوصية لبنان وعلاقاته الغربية الطابع، ولم تحاول ضمه إلى المحور الذي تزعمته إبان صعود الاتحاد السوفياتي، ولم تفرض إيقاعها عليه.
منذ إقامة أول علاقة ديبلوماسيةبين البلدين عام 1839، مع افتتاح قنصلية روسيا في بيروت للاهتمام بالرعايا الأرثوذكس، إلى المشاركة مع خمس دول أوروبية في حماية النظام السياسي عام 1861، إلى أول سفير سوفياتي دانيال سولود وصل إلى لبنان عام 1944 في عهد الرئيس بشارة الخوري، بناءً على طلب لبنان إقامة علاقة ديبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي، ظلت موسكو محافظة على خط واضح في العلاقة مع لبنان، ومع مسيحييه أولاً، ومع اللبنانيين جميعاً في مرحلة لاحقة. الأكيد أن الطابع الأرثوذكسي طغى في البداية، خصوصاً في ظل الارستقراطية الأرثوذكسية الروسية واللبنانية، وهو ما تجلى لاحقاً في هجرة عائلات روسية إلى بيروت مع الحكم الشيوعي، وهي لا تزال موجودة إلى اليوم، لتعمّ لاحقاً الشريحة الأدنى مستوى وفتح باب المنح والتعليم ودعم تربوي وديني لأبناء الطائفة الشقيقة، وظلت هذه المنح قائمة في ظل الاتحاد السوفياتي لتتراجع مع انهياره. ربطت بيروت علاقة جيدة بموسكو التي كانت أول من اعترف باستقلال لبنان عام 1946، واستخدمت حق النقض لمنع بقاء قوات فرنسية وبريطانية في سوريا ولبنان. وطوال سنوات الحروب اللبنانية المتعددة، ولا سيما الإسرائيلية منها، وقفت إلى جانب لبنان وساهمت في صياغة قرارات دولية، أولها القرار 425 وصولاً إلى القرار 1701 الذي لم تقف ضده، ولا ضد إنشاء المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. هل يمكن أن ننسى الموفدين الروس تباعاً لحل إشكالات وقضايا لبنانية عالقة، وأسماء ترددت في الذاكرة اللبنانية بأدوارها الفاعلة كالسفيرين ألكسندر سولداتوف وفاسيلي كولوتوشا، والموفدين الخاصين إلى الشرق الأوسط كميخائيل بوغدانوف وأندريه فيدوفين.
رغم كل الانفتاح الروسي الإيجابي على لبنان، والتبادل الثقافي والتجاري وفتح أبواب موسكو لأدباء منذ ميخائيل نعيمة إلى فنانين وأدباء استفادوا من التجارب الروسية الثقافية والحياتية، وطلاب جامعيين من اختصاصات علمية مختلفة شملت كثيراً من الشباب اللبناني، وليس من الأحزاب اليسارية فحسب، والعلاقات الإنسانية والتجارية، والدور الذي أدته الكنيستان الأرثوذكسية اللبنانية والروسية ومعتمد البطريركية الأنطاكية في موسكو، بقيت العلاقة مختلفة عن تلك التي نسجها لبنان مع دول غربية. لا شك في أن دور رؤساء الجمهورية في مرحلة ما قبل الحرب أسهم أيضاً في عدم تطوير هذه العلاقة إلى مستوى ما كان قائماً مع فرنسا والولايات المتحدة ودول أوروبا. حتى إن وزير الخارجية السوفياتي الأشهر، أندريه غروميكو، قال لنظيره اللبناني فؤاد بطرس، كما يروي الأخير في مذكراته، حين كان يجول على عواصم القرار عام 1968 لتفادي التهديدات الإسرائيلية: «ليس أمراً مألوفاً أن نحظى بفرصة رؤية وزراء لبنانيين في موسكو».
خلال الحرب الطويلة، ورغم العلاقة التي ربطتها بقوى وأحزاب يسارية، لم تمتنع موسكو عن مدّ جسور ثقة وعلاقة وطيدة مع أحزاب يمينية، وبقيت على تواصل معها. لعل أبرز نقطة في هذا المجال، الدور التنسيقي مع حزب الكتائب والقوات اللبنانية، إبان أزمة خطف الديبلوماسيين السوفيات الأربعة ومقتل أحدهم عام 1985، وفتحهما المجال واسعاً لحركة ديبلوماسية روسية لمعالجة قضية الخطف وتداعياتها مع ترحيل طاقم السفارة. وقد اعترف المسؤولون السوفيات بالمساعدة التي قدمها حزب الكتائب في هذه القضية، إلى جانب دور رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في حماية السفارة، ودور رئيس حركة أمل نبيه بري. وقد تكون هذه الحادثة الخضة الأمنية الوحيدة التي سجلت في تاريخ العلاقة بين البلدين، بعد حادثة طائرات الميراج الفرنسية عام 1969، ومحاولة خطفها من لبنان، في إطار عمل استخباري انتهى بالفشل وبسيناريوهات وتفاصيل عن تلك العملية التي جزم المكتب الثاني بأنه أحبطها، واتهمه معارضوه بأنه دبرها خدمةً للولايات المتحدة.
تدرك روسيا الضليعة في الشؤون اللبنانية أن العلاقة مع لبنان تتعدى الأطر الشخصية والآنية. وخبرة الرئيس بوتين العسكرية والأمنية مع رئيس للجمهورية بخلفية عسكرية، تعطي منحىً خاصاً للقاء بين الرجلين. لكن الضغوط الإقليمية كبيرة، والاستحقاقات التي تقبل عليها موسكو، كما المنطقة، كبيرة. وهي لا تريد وضع لبنان في خانة الاصطفاف السياسي في مواجهة واشنطن، وتعرف أكثر من اللبنانين دقة التوازنات الإقليمية الحالية والخطوط التي تلتزمها منذ سنوات طويلة أمنياً وعسكرياً وسياسياً، لكنها ترغب أيضاً في استقرار واستثمار سياستها على المدى الطويل، وهي التي أصبحت عند شواطئ المتوسط الدافئة بعيداً عن صقيع موسكو.