ما الذي يُريده رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي جان فهد، أكثر مِن «الضوء الأخضر» الذي قدّمه له رئيس مجلس النوّاب نبيه بريّ ليلتزم الدستور والقانون، إذ قال له: «هذا غلط، أنا كنت وزيراً للعدل لست سنوات وألغينا التوزيع الطائفي، والآن نطالب بإعادة النظر (في تسمية القضاة) من دون الأخذ في الاعتبار الطوائف والمناطق. إذا كنا سنعتمد ذلك في القضاء فهذا أمر غير مرغوب». حصل هذا في جلسة مجلس النوّاب الأخيرة، وعلناً، بعدما بادر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان إلى لفت نظر الحاضرين لمخالفة فهد، ومعه رؤساء غرف محكمة التمييز، حيال تشكيل ما يُسمّى «المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء». هذا برّي، ابن النظام الطائفي، يقول لـ«كبير القضاة»: لا تكن طائفيّاً ومناطقيّاً هنا، التَزِم الدستور والقانون، وكذلك هذا عدوان، ابن النظام نفسه، يقول للقاضي الأمر عينه. ما الذي يُريده فهد أكثر مِن تدخّل وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، مؤيّداً كلام عدوان، قائلاً: «الغرف يجب أن تتغاضى عن التوزيع الطائفي والمناطقي، ولكن هذا حصل وهذه مخالفة، آمل إعادة النظر في الأمر». لم يكن لفهد والقضاة حجّة، بحسب ما نقل وزير العدل ألبرت سرحان في الجلسة نفسها، سوى أنّ هذه هي الطريقة التي جرى اتباعها سابقاً. عموماً، وبعد هذه «البهدلة» السياسيّة المُحقّة لـ«القضاء العالي» إيّاه، ظنّ كثيرون أنّ فهد سيعود عن المخالفة، وأنّه سيعمل على إرسال أسماء ثمانية قضاة، هم الأعلى رتبة بحسب درجات التسلسل القضائي (وهو ما ينص عليه الدستور صراحة)، الذين تسمّيهم محكمة التمييز «بجميع غرفها» (بحسب القانون)... لا الاكتفاء برؤساء الغرف، مع تقسيمهم وفق «التوازن الطائفي»، كما جرى أخيراً.

علمت «الأخبار» أنّ ما حصل، إثر تلك الجلسة، هو أنّ فهد، بصفته الرئيس الأول لمحكمة التمييز، وحكماً رئيس مجلس القضاء الأعلى، أرسل إلى برّي، عبر وزير العدل مرّة أخرى، رسالة ليس فيها سوى حجّته الأولى: «هكذا جرت الأمور في السابق». أرسل برّي رسالة فهد إلى النائب عدوان، بصفته النيابيّة ولكونه هو مَن لفت النظر إلى المخالفة، فما كان مِن الأخير إلا أن أعدّ رسالة ردّ إلى وزير العدل. ذكّر عدوان بنصّ المادة 2 مِن قانون أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (رقم 13 الصادر عام 1990) التي تتحدّث عن «التسمية والتعيين». عدّد عدوان المخالفات، في رسالته، ومِنها أنّ القانون أناط مسؤولية التسمية والتعيين، للقضاة، بجميع غرف محكمة التمييز وليس فقط برؤسائها كما حصل فعليّاً، وبالتالي «تكون هذه التسميات والتعيينات قد صدرت عن جهة غير مختصّة، مما يجعلها باطلة حكماً. وما يزيد هذه المخالفة جسامة هو أن رؤساء غرف محكمة التمييز عمدوا، فور استئثارهم بسلطة التسمية والتعيين، إلى تسمية أنفسهم قضاة في المحكمة، بحيث اقتصرت تسمية القضاة من خارجهم على عضو واحد». بالمناسبة، كل غرفة في محكمة التمييز تتألف مِن قاضٍ رئيس ومِن قضاة مستشارين، ويظهر مِن خلال الخطوة التي اعتمدها فهد، ومَن معه، مدى الاستخفاف بالقضاة المستشارين إلى حد اعتبارهم غير موجودين. مِن المعروف، بحسب الأعراف اللاعدلية في العدليّة، أنّ منصب المستشار هو بمثابة «عقوبة» لأي قاضٍ غير مرضي عنه مِن «السيستم» القضائي - السياسي. أحد هؤلاء القضاة المستشارين، وفي حديث له مع «الأخبار»، لم يستغرب هذا التجاهل له ولزملائه، ولكن «بصراحة آلمني إنّو يتعرّض القضاء لبهدلة مِن قبل النوّاب، وهي بهدلة قانونيّة، ما بدّي أحكي أكتر».

يُصرّ القاضي فهد على المعيار الطائفي لتسمية قضاة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء


في رسالة عدوان إلى وزير العدل إشارة إلى مخالفة ثانية، وهي الأبرز، إذ قال: «خالف رؤساء غرف التمييز المعيار المنصوص عليه في الدستور والقانون، والذي يتمثّل في تسمية القضاة الأعلى رتبة حسب درجات التسلسل القضائي، والذي يجرّدهم مِن أي سُلطة تقديريّة في هذا المجال. فبدا هؤلاء وكأنّهم أعطوا تفسيراً انتقائيّاً لمفهوم «الأعلى رتبة» بينما النص حدّد أنّه وفق درجات التسلسل، على نحو منحهم هامشاً واسعاً في اختيار الأعضاء». هنا، ومِن خلال قفز محكمة التمييز فوق النص الجلي للقانون والدستور، عبر التكلّف الاجتهادي في حكاية «الأعلى رتبة» هذه، يظهر وبصورة واضحة المعنى الملتبس لمفهوم «السُلطة القضائيّة» في وعي رئيس مجلس القضاء الأعلى، ومن سبقه أيضاً. بل يُمكن القول إنّها تظهير لثقافة مغلوطة سائدة بين كثير مِن القضاة. هذه الثقافة تجعل رئيس مجلس القضاء الأعلى يعتقد أنّه هو رئيس السُلطة القضائيّة، في حين أنّ هذه السُلطة، على عكس سُلطات أخرى، «منتشرة» وليس فيها هرميّة بالمعنى السُلطوي. في القضاء يكون كلّ قاضٍ سُلطة قضائيّة مكتملة الشروط حيال حكمه، وما عدا ذلك إنّما هو لتسيير المرفق العام مِن خلال الإدارة الوظيفيّة. مِن حق «كبّار القضاة» أن يغاروا مِن الزعماء السياسيين، وأن يودّ أحدهم التصرّف كزعيم على الطريقة اللبنانيّة، ولكن لا بدّ مِن تذكيره دائماً: أنت لست زعيماً. الأعلى رتبة في القضاء ليست كالأعلى رتبة في الجيش. هذه مسألة بديهيّة يتوقّع أن يعرفها كلّ قاضٍ مبتدئ.
والآن ماذا؟ النواب انتخبوا مِن بينهم الأعضاء النواب السبعة لعضوية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ويُنتظر أن يُبّت في موضوع الأعضاء القضاة الثمانية. وفيما كابر «كبار القضاة» في رأيهم، يبدو أن عدوان يُصرّ أيضاً على موقفه، إذ ختم رسالته موضحاً: «لا يعتدّ إطلاقاً بأنّ هناك سابقة في هذا المجال، لأنّه في معرض النص لا يجوز الاجتهاد، وفي حالتنا الحاضرة يوجد نصّ ولا يجوز الاجتهاد... نطالب معاليكم بإعادة النظر بتسمية القضاة». عندما اتصلت «الأخبار» بسرحان لسؤاله عن الموضوع، اكتفى بالقول: «إلى الآن لا جديد. ما زلنا ندرس الأمر ونبحثه». بالمناسبة، لا علاقة للوزير، بحسب القانون، بتسمية القضاة وتعيينهم في هذه الحالة، بل الأمر متروك تماماً لغرف محكمة التمييز، ويلعب الوزير هنا دور «البريد» بين القضاة ومجلس النوّاب. هذا في الشكل، قانوناً. أمّا في الواقع، فإن شخصيّة الوزير لم تكن يوماً شكليّة في لبنان. لنتابع كيف ستنتهي هذه «الطوشة» المجانيّة غير المسلّية.
يحصل كلّ هذا اللغط حيال شيء اسمه المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، الذي، حتّى ولو انتظمت آليات تشكيله القانونيّة، هو أساساً شيء «بلا طعمة» مِن حيث الفاعليّة. جرى النص عليّه في دستور «الطائف» للقول، أمام العالم: انظروا لدينا محاسبة للرؤساء والوزراء. كذلك للقول: انظروا لدينا «دولة حديثة» وما شاكل، في حين، وكما يعلم العالم كلّه، هي مجرّد مؤسسات شكليّة يأكلها العفن. هذا المجلس الذي بات كثيرون يدعون إلى إلغائه مِن أصله، والتعامل مع الرؤساء والوزراء قضائيّاً كما يُعامل أيّ مواطن آخر، أي محاكمتهم أمام القضاء العدلي، على غرار المعمول به في كثير مِن أنظمة العالم... ولبنان تحديداً أجدر مِن أي دولة أخرى بذلك.