من السهل على كثيرين في بلادنا شتم الأميركيين أو نقدهم. حتى هم أنفسهم لا ينزعجون إذا اقتصر الأمر على ذلك. لكن الصعب، لأنه المطلوب، هو مواجهة خدم السياسات الأميركية في بلداننا. والصعوبة، هنا، تتعلق بمنظومة المصالح القائمة بين أركان نظام وسلطة لا اتفاق فيها على هوية وطنية. وعندما تجري مساءلة هذه الشخصية أو تلك، أو هذه الجهة عن طبيعة علاقتها مع دولة الإرهاب العالمي، أي الولايات المتحدة الأميركية، يكون الرد سريعاً، بأن من يطلب وقف العلاقة مع الأميركيين، عليه وقف العلاقة مع الآخرين... وعند هذا الحد، تقع المشكلة، لأن الآخرين في نظر هؤلاء المتعاملين لا المتعاونين مع أميركا، هم العرب!

ولأننا اليوم لسنا في موضع النقاش حول الهوية الوطنية، وحول تحديد أعداء لبنان من أصدقائه، فمن الأفضل التوجه فوراً صوب العنوان. أي، صوب القول، بأن على جميع اللبنانيين إدراك حقيقة قاسية وصعبة ومعقدة، وهي أن الولايات المتحدة تخوض اليوم، جهاراً، حرباً مفتوحة ضد قسم من اللبنانيين، بحجة أنهم ليسوا معها ولا مع سياساتها. تماماً كما تفعل في كل العالم، من أميركا نفسها، الى أميركا اللاتينية، الى الشرق، مروراً بأفريقيا وأوروبا التافهة بذيليتها.
يصل اليانكي البشع الى بيروت، وهو قد أبلغنا مسبقاً بأن جدول أعماله ينحصر في تحريض قسم من اللبنانيين على قسم آخر منهم. ليس بإمكان أحد ادعاء عدم معرفة أو فهم ما يريده الضيف الصهيوني. فهو قال منذ توليه منصبه، ومنذ أن بدأ عمله على منطقتنا، وعندما بدأ التحضير لزيارته، وعشية وصوله الى المنطقة، وخلال زيارتَي الكويت والقدس المحتلة، إنه هنا بقصد خلق آليات تعاون تنفيذية ضد محور المقاومة، وإن همه المركزي هو محاصرة المقاومة في لبنان وضربها.
وبالتالي، فقصتنا ستكون من الآن وصاعداً، ليس مع خطابات وبيانات الأميركيين وأنشطتهم السياسية فحسب، بل ستشمل العملاء اللبنانيين الصغار، المرحبين بالضيف البشع، والذين يستعدون منذ أيام وليالٍ لاستقباله والاحتفاء به، وربما يعيشون وهم أن أميركا ستكون الى جانبهم في معركة تسليمهم السلطة إن هم أحسنوا العمل على برنامج ضرب المقاومة.

الولايات المتحدة تخوض اليوم، جهاراً، حرباً مفتوحة ضد قسم من اللبنانيين


إذا كان هؤلاء لم يتعلموا الدرس بعد، ولم يعيدوا مراجعة ما قام به الآباء والأجداد والكبار منهم على مدى خمسة عقود. فهذا لا يعني أن نتركهم وشأنهم، بل عليهم التنبه الى أنهم ينتقلون من موقع الى موقع. وإن كل من يقبل سماع الوصيّ الإرهابي ولا يناقشه أو يرفض طلباته، إنما هو متواطئ. ومن ليس لديه القدرة على مواجهته، فليكتف بعدم الاجتماع به. لكن، كل من ينخرط ويرتب الياقات لاستقبال العنصري، متورط، وشريك في المسؤولية عن كل الجرائم التي تعد لها الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وإسرائيل والسعودية والإمارات ضد الشعب اللبناني، وضد رموزه الوطنية، من رئيس الجمهورية الى أصغر مقاوم. من يقبل هذا الدور، فليفهم أنه يضع نفسه في مرتبة الأعداء.
وإذا كان البعض من اللبنانيين، بمعزل عن مواقعهم، في مؤسسات رسمية أو سياسية أو مالية أو تجارية أو قانونية أو أمنية أو عسكرية، يتذرعون بعدم القدرة على مقاومة الضغوط الأميركية، فعليهم التعوّد وانتظار ضغوط مقابلة. وعندها ليقرروا في أي جانب يقفون. من يعتقد بأن بالإمكان الصمت عن التعامل مع عدو كأميركا ضد فئة من اللبنانيين، واهم، وعليه انتظار الردود بكل الوسائل، ولا حاجة عندها الى ديموقراطية الغرب ولا إلى تفاهة المجتمع المدني.
ولمن يريد أن يخفي رأسه في حضن العاهرة الأميركية، ما عليه سوى الاستماع الى صوت مجنون العالم، دونالد ترامب، يعلن أنه يوافق على توسعة المساحة المسماة إسرائيل، بإعلانه الموافقة على سيادة العدو على أرض الجولان المحتل. وليتذكر «طراطير بومبيو»، عندنا، أن أميركا لا تهتم إلا لمصلحتها المثبتة اليوم في وجود العدو الإسرائيلي، ولو على حساب كل الناس...
ربما لا يعرف لبنانيون كثر أن المرحلة الجديدة من المواجهة لن تقتصر على لقاءات سياسية أو إعلامية وبيانات، بل سيكون لها جدول أعمال تنفيذي، يشارك فيه عملاء للغرب ينتشرون اليوم في عدد كبير من المؤسسات اللبنانية، كما يعمل في خدمتها جيش من البلهاء الانتهازيين، المتجمعين في منظمات تسمى «منظمات مدنية غير حكومية». وهي منظمات صار قسم كبير منها مجرد أدوات لأعمال استخبارية وبرامج تخريب للشعوب المناهضة لأميركا والغرب.
على أن الأكثر إلحاحاً ليس مساءلة العملاء وملاحقتهم، بل التحدث مع الذين يقولون إنهم يقفون في صف حماية استقلال لبنان ومقاومته، ولا يحركون ساكناً، مثل أولئك الذين تركوا بضعة ناشطين شيوعيين وناصريين يحتجون على زيارة اليانكي البشع. وهؤلاء الذين يعتقدون بأن دعم المقاومة محصور في كلام وبيان، يقتربون من رتبة الواقفين على التل، بنتظرون جلاء غبار المعركة ليختاروا في أي صف يقفون...
يبقى أن ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية ومعها بريطانيا وفرنسا ودول عربية، يعيد الى الأذهان السؤال حول سبب التساهل مع هذا الحشد الكبير من «الأجانب» المنتشرين في لبنان، باسم الطب والتعلم والدراسات والبيئة والخدمات وخلافه...
سقى الله عقد الثمانينيات، إنه الزمن الجميل حقاً!