تخلى الرئيس سعد الحريري عن الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك مرتين. مرة عندما سحب ترشيحه لرئاسة البنك الدولي، خاضعاً للضغوط الأميركية، ومرة عندما قبِل استقالته من المجلس. لكن لحايك وجهة نظر أخرى. صحيح أنه لم يتمنّ أن تتعامل الحكومة اللبنانية مع الضغوط التي واجهتها بمنطق الاستسلام، لكنه يرى أن الحريري فعل ما يراه مناسباً، من وجهة نظره، لتجنّب هذه الضغوط. مهما كان السبب، فإن النتيجة أن حايك، حتى تُطوى صفحة انتخابات البنك الدولي، مرشح لرئاسة البنك «بشكل جدي، لكن من دون أوهام». بعدها سيتفرّغ لتحقيق طموحاته الشخصية التي صارت بعيدة عن الحكومة اللبنانية وعن تطبيق قانون الشراكة الذي «ناضل» لإقراره، من دون أن يعرف ماذا سيحل بتنفيذه مستقبلاً. يغادر حايك منصبه تاركاً لمن يأتي من بعده ثلاثة مشاريع يعمل المجلس على تنفيذها حالياً: بناء داتا سنتر، توسعة مطار بيروت وشق طريق خلدة - ضبية - جبيل.

انتظر حايك سنوات طويلة حتى يُقر قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص. لكنه ما إن أقر حتى قدّم استقالته. لا علاقة للاستقالة بعمله في المجلس، بقدر ما هي تعبير مباشر عن اليأس من تخلّي الحكومة اللبنانية عنه، وتركه وحيداً في معركة رئاسة البنك الدولي. تلك المعركة التي قررت الحكومة خوضها بكامل إرادتها، قبل أن تتخلى عنها دوناً عن إرادتها، راضخة لضغوط أميركية مباشرة.
عندما التقته «الأخبار» بُعيد تأليف الحكومة، تحدّث حايك طويلاً عن مرحلة جديدة يثق بأنها ستقدم «نموذجاً في الشفافية وفي المنافسة العادلة». كانت حماسته كبيرة أثناء إعداد الدراسات اللازمة لإنجاز ثلاث مناقصات كلّف المجلس تنفيذها على أساس قانون الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. لكن طموح حايك لم يقف هنا. وجد في نفسه المؤهلات التي تسمح له بقيادة البنك الدولي. طرح الأمر على رئيس الحكومة، فتحمّس الأخير، وأوعز إلى وزير المالية علي حسن خليل تقديم الترشيح رسمياً.
هذه لم تكن «مزحة». هو قرار اتخذته الحكومة عن دراية كاملة، بعدما وجدت أن مرشحها قادر على منافسة المرشح الأميركي ديفيد مالباس، الذي يلقى ترشيحه تحفظات من عدد من الدول الممثلة في مجلس إدارة البنك، التي تجد أن أفكاره لا تتناسب مع تطلعاتها لمستقبل البنك. للمناسبة، إن اختيار رئيس البنك الدولي، يجري من قبل أعضاء مجلس إدارته الـ25، بعد مقابلات يجرونها مع المرشحين.

حايك: الحريري عمل ضميره وسحب ترشيحي، وأنا عملت ضميري واستمررت بالترشيح


لم تشأ أميركا الوصول إلى هذه المرحلة، فطلب الحريري من حايك سحب ترشيحه، لكن الأخير أبدى رغبته في استكمال المعركة، واضعاً استقالته من المجلس الأعلى للخصخصة بتصرف رئاسة الحكومة، إذا ما أصرّت على سحب الترشيح. قبِل الحريري الاستقالة في اليوم نفسه لسحب الترشيح الأسبوع الماضي. وفي الحالتين لم يُبلّغ حايك رسمياً، (يقول حايك إنه علم بقرار سحب الترشيح بعد نشره في «الأخبار»). بهذه الخفة، جرى الدخول في «المعركة» ثم الانسحاب منها قبل أن تبدأ!

مرشّح بلا أوهام
بذلك، انتهت العلاقة التعاقدية لحايك مع الدولة اللبنانية، بعدما لم يشأ تحميلها تبعات قراره بالاستمرار. ماذا بعد؟ بين 15 آذار و15 نيسان، يُفترض أن يخضع المرشحون لمقابلات مع أعضاء مجلس إدارة البنك الدولي. لكن بما أن لبنان سحب مرشحه، فهذا يعني أن حايك بحاجة إلى من يرشحه ليستمر في المعركة. والترشيح هنا لا يحتاج بالضرورة إلى دولة، بل يكفي أن يتبناه أحد أعضاء مجلس إدارة البنك. إذا لم يتحقق ذلك، ينتهي مشوار حايك مع المنافسة على رئاسة البنك الدولي بعدما انتهى مشواره في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للخصخصة. أما إذا طرح أحد الأعضاء اسمه، وهو ما يسعى إليه حالياً من خلال تواصل مع الأعضاء، ينتقل المرشحان إلى مرحلة المقابلات، قبل أن يُعلن اسم الرئيس الجديد للبنك.
يرفض حايك اعتبار معركته بالمزحة. يقول إنها «لو كانت مزحة لما ضغط الأميركيون في الأصل، ولكانوا قد احترموا اللعبة الديموقراطية وسعوا إلى إقناع الأعضاء بمرشحهم كما تفعل كل الدول بدلاً من الضغط على لبنان لسحب مرشحه». ويضيف: الضغوط تعود إلى معرفتهم بأن المرشح اللبناني قوي ويملك حضوظاً للفوز، أولاً لأن مؤهلاته أعلى من مؤهلات مرشحهم، وثانياً لأن مرشحهم يثير القلق في البنك وخارجه.

«خدمتُ عسكريتي»
ماذا بعد انتهاء معركة البنك الدولي التي صارت نتيجتها شبه محسومة؟ بالنسبة إلى حايك «أنا خدمت عسكريتي وضحيت من أجل لبنان ١٣ عاماً». يضيف: «هذا قد لا يعجب البعض، لكن هذه هي الحقيقة. أنا تركت عملي الذي كنت أتقاضى فيه حرفياً راتباً يوازي ٣٠ مرة راتبي في لبنان. والآن حان الوقت لكي أهتم بنفسي وأنفّذ مشاريعي الشخصية، ومنها الاهتمام بمتحف الأبجدية الذي بنيته، والتركيز على عملي رئيساً للجمعية العالمية للشراكة ونائباً لرئيس هيئة الأمم المتحدة للشراكة بين القطاعين العام والخاص».
لكن الاستقالة لم تحصل لهذه الأسباب، بل هي مرتبطة بسحب الترشيح للبنك الدولي. هذا صحيح يقول حايك، مضيفاً: «عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. وإذا كنت قد ترددت سابقاً، فإن الظروف قد نضجت لأنسحب». مع ذلك لا ينفي حايك قلقه على مشاريع الشراكة التي بدأها، وعلى إمكانية إجراء مشاريع شراكة صحيحة، لا تتحول عند التنفيذ إلى مشاريع خصخصة أو إلى عقود إدارة موجّهة سياسياً!