الضربة «الأقسى» للكنيسة الأرثوذكسية «الجامعة»، سعياً لتفتيتها إلى كنائس قومية محلية، حصلت في أوكرانيا في 11 تشرين الأول الماضي. ولكن «المُخطّط» الأميركي، الذي تبيّن أن البطريركية القسطنطينية تُساهم في تنفيذه، لم ينتهِ بعد وهو يشمل كنائس أخرى. بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الأرثوذكس، هدف رئيسي يُراد ضربه. وبعد أن كان الحديث عن فصلٍ كنسي بين لبنان وسوريا، أو نوايا لنقل الكرسي البطريركي من دمشق إلى بيروت، محصوراً في إطار «الوشوشات»، أصبحت التحذيرات تُطلق من أعلى المراجع وبشكل علني. الرئيس السوري بشار الأسد، قال في 9 شباط، أمام «مجموعة الصداقة بين البرلمانيين الروس والسوريين»، إنّه «نرى محاولات لتقسيم الكنيسة الأنطاكية في أرضنا. هناك حديث عن منح الاستقلال للمطرانية اللبنانية». وشدّد الأسد، كما نقل مدير «المجموعة» عنه، على ضرورة «منع هذا التقسيم في المنصات الدولية، وإلا سيكون لدينا مئات الكنائس الأرثوذكسية وفاتيكان واحد فقط». وخلال زيارته إلى روسيا، لم يُخفِ البطريرك يوحنا العاشر يازجي «أنّ بعض القوى الخارجية تهدف إلى إضعاف الكنيسة الأنطاكية بطريقة أو بأخرى».

منذ مدّة، وتحديداً مع طلب إنشاء جامعة القديس جاورجيوس في بيروت (ينظر معارضو إنشائها إليها بصفتها «منافسة» لجامعة البلمند التابعة لبطريركية أنطاكية)، أصبحت أصابع الاتهام في موضوع الفصل الكنسي تُوجّه إلى متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة. ساهم في إسقاط «التهمة» عليه، حديث بعض السياسيين المُقربين منه بشكل واضح، بمنطق «الكنيستين»، وتماهيهم التام مع السياسة الأميركية المرسومة للكنيسة الأرثوذكسية. ولكن، أصبح هناك بين السياسيين اللبنانيين المتماهين مع السياسة الروسية، من يقول إنّه «على رغم كلّ المآخذ على عودة، لا يُمكن تسجيل نقطة واحدة عليه بأنّه مشارك في مُخطط تقسيم الكنسية. الخطورة تكمن في أحد السياسيين المقربين منه». يستند هؤلاء إلى كلام عودة العلني خلال افتتاح أعمال المؤتمر الطبي لمستشفى القديس جاورجيوس (تشرين الأول الماضي)، وكرّره في «مؤتمر الإخوة الإنسانية» في أبو ظبي، بأنّ «أبرشية بيروت تُشكّل أحد أعمدة بطريركية أنطاكية. وأبرشية بيروت تفتخر بانتمائها إلى بطريركية أنطاكية»، من دون أن يدفع ذلك إلى إنهاء «الحملة» ضدّ عودة. على العكس من ذلك، بلغت مستوى مُتقدّماً، ولا سيّما بعد «التحذير» الذي نقله الوفد الروسي عن الأسد. أمام هذا الواقع، بعث وزير الدفاع الياس بو صعب برسالة إلى الرئيس السوري، عبر السفير علي عبد الكريم علي، «للتوضيح بأنّه إذا كانت المعلومات التي نُقلت عن الرئيس الأسد، قد وصلته عبر جهة ما، فهي غير دقيقة». وقد أرفق بو صعب رسالته، بكلام عودة العلني عن افتخاره بالانتماء إلى «أنطاكية»، كتأكيد على ذلك. أما بالنسبة إلى إنشاء جامعة في بيروت، «فهذا ليس دليلاً على الفصل، لأنّ كلّ أبرشية لديها مدارس ومستشفيات ومؤسسات». ويُشير بو صعب، في اتصال مع «الأخبار»، إلى أنّه بصدد «القيام بمسعى قريباً، من أجل إنهاء هذا السجال الذي لا أساس له من الصحة». المسعى سيكون «عبر التواصل مع البطريرك يازجي، لأنّ موقف المطران عودة نعرفه». وتجدر الإشارة إلى أنّ يازجي، كان قد ردّ على سؤال بعد لقائه بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل في بداية الشهر الجاري، أنّ «متروبوليت بيروت هو أخونا الحبيب».
لا لُبس في أنّ شهية الغرب مفتوحة على «أنطاكية»، حتى ولو لم يكن في لبنان «بيئة حاضنة» جاهزة للفصل. الأرضية غير مؤاتية لهذه الخطوة، لأسباب عدّة، منها توسّع نفوذ موسكو في المنطقة. فلا يُمكن التعامل باستخفاف مع الوجود العسكري الروسي في سوريا، وتمكّن الأخيرة من اجتياز مرحلة الخطر، ثم الانتقال إلى تحقيق التقدم على كافة الجبهات. لكن ذلك لا يعني أن خصوم روسيا وأعداءها سيقبلون بالأمر الواقع. وانطلاقاً من هنا، يُفهم «السباق» لسحب «أنطاكية» من «موقعها السياسي» الحالي، وجعلها تتموضع في المعسكر المعادي لموسكو. يظهر ذلك في الحراك الدبلوماسي الذي تقوم به بعثة أوكرانيا في بيروت. فبعد دعوة السفير الأوكراني إيغور أوستاش، البطريرك يازجي إلى دعم منح صفة كنسية مستقلة للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (خلال لقائهما في البلمند في تشرين الأول الماضي)، كتب الدبلوماسي مقالاً في «الدايلي ستار» (نُشر في 10 كانون الثاني) حول التطورات الكنسية، مُخصّصاً آخر ثلاث فقرات من مقالته للحديث عن «الكنيسة اللبنانية». فوصف الأخيرة بأنّها «رمز للحرية»، رابطاً بينها وبين الكنيسة الأوكرانية. فالاثنتان، برأيه، واجهتا «ظلم جيرانهما الأكبر منهما». كلمات أوستاش تحمل دلالات واضحة، باللعب على وتر التمييز بين كنيسة لبنانية وأخرى سورية، من خلال قوله إن جار لبنان «الكبير»، أي سوريا، حاول السيطرة على «الكنيسة اللبنانية»، تماماً كما سعت روسيا إلى السيطرة على الكنيسة الأوكرانية. وقد أمل، في مقالته، بأنّ يدعم أرثوذكس لبنان، الكنيسة الأوكرانية المستقلة، «كتحقيق للعدالة التاريخية، على رغم نداءات بعض الكنائس لعدم الاعتراف بها».

بعث بو صعب رسالة إلى الأسد بأنّ المعلومات عن فصل كنسي غير دقيقة


الردّ الدبلوماسي الروسي - غير المباشر - أتى في 9 شباط. فقد أجرى سفير روسيا لدى لبنان ألكسندر زاسبكين مقابلةً مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، قال فيها إنّه إذا كان رئيس أوكرانيا بترو بوروشينكو «قد لعب دور الأب الروحي لانشقاق الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، فإنّ الرئيسين ميشال عون وبشار الأسد يعملان لمصلحة المساواة بين جميع شرائح المجتمع الطائفي - العرقي، ولمنع الصراع داخل المذاهب. في الوقت نفسه، يهدف هذا الخط إلى تحقيق المهمة الاستراتيجية المتمثلة في الحفاظ على وجود المسيحيين في الشرق الأوسط - مهد المسيحية»​​​. وأضاف بأنّه يُمكن «دقّ إسفين لزعزعة الوضع بين لبنان وسوريا، على المثال الأوكراني، لكن هذا لن ينجح. يقف الأرثوذكس في لبنان بثبات من أجل الوحدة ويؤكدون ذلك من خلال تضامنهم مع كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية». وتُضيف مصادر دبلوماسية روسية لـ«الأخبار» بأنّ الملف الأرثوذكسي لا يقف عند أعتاب الصراع الروسي - الأوكراني، «إذا استمرت المؤامرة، ستشمل كنائس أخرى، لينطلق مسلسل تقسيم الدول، بحجة إنشاء كنائس محلية، من دون الأخذ في الاعتبار بأنّ حدود الكنائس الأرثوذكسية مغايرة للحدود السياسية. هناك قوى خارجية تريد تقسيم أنطاكية، ولكن ذلك لن يحصل». ويُشير المصدر إلى أنّ «أنطاكية قادرة على تجاوز هذا الأمر، والأساس في ذلك هو وجود غبطة البطريرك، ولكن يجب أن نبقى حذرين». ليس الصراع الدائر أرثوذكسياً أقلّ من «مشكلة مصيرية، تشمل اتخاذ قرارات تضرب التقاليد والقوانين الكنسية، بهدف استهداف روسيا». ويقول المصدر الدبلوماسي إنّ «السياسة والدين خطّان متساويان، نحن نريد أن نخلق انسجاماً بينهما، وليس مواجهة، لتأمين الحياة الطيبة للناس». من هذه الخلفية، تُقارب روسيا علاقتها بـ«أنطاكية» والمسيحيين في المشرق، «نريد الحفاظ على الوجود المسيحي، ونريده أن يكون حليفاً لروسيا، وهذه العلاقة التاريخية سنطورها خلال الفترة المقبلة. المرحلة العسكرية في سوريا على وشك الانتهاء، ولدينا خطط طويلة لمرحلة إعادة الإعمار، والتعاون مع القوى في المنطقة على كلّ المستويات».



السفير الأوكراني لـ«الأخبار»: «أنطاكية» ستتحاور مع «الأوكرانية»
يوضح السفير الأوكراني إيغور أوستاش لـ«الأخبار» أنّ عبارة الكنيسة اللبنانية التي استخدمها في مقالته تعني «كلّ الكنائس الموجودة في لبنان، وكنت أقصد الأرثوذكس اللبنانيين في بطريركية أنطاكية، التي لديها أبرشيات في سوريا ولبنان والبرازيل وتشيلي والولايات المتحدة الأميركية وبلدان أخرى. لذلك، من المنطقي، كسفير لأوكرانيا في بيروت، أن أتواصل مع أساقفتها في لبنان». ويؤكد أوستاش أنّ بعثته «لم تطرح قط أي مسألة ترتبط بوحدة الكنيسة الأنطاكية. إننا نحترم بطريركية أنطاكية، التي هي واحدة من أقدم الكنائس الأرثوذكسية في العالم، وتؤلف إلى جانب 14 كنيسة أخرى، بما فيهم الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، العائلة الأرثوذكسية المسكونية». ربما فات السفير أنه رغم اعتراف بطريركية القسطنطينية (المسكونية) باستقلالية كنيسة أوكرانيا وتنصيب المطران إبيفانيوس على رأسها، إلا أنّها لا تزال بلا سينودس (مجمع كنسي يلتقي فيه الاساقفة) خاص بها. ثانياً، القانون الكنسي يتحدّث عن «بطريركيات» وليس «كنائس». والتعابير المستخدمة، في هذه الحالة، مُهمة، على حد قول متابعين للشؤون الكنسية. ففي العالم 9 بطريركيات أرثوذكسية، تتفرّع من كلّ واحدة منها كنائس تنتشر في بلدان العالم. لا يُمكن تعداد كنيسة أوكرانيا من بين البطريركيات، أو وضعها في الاطار نفسه مع «أنطاكية»، الرافضة للتقسيم والداعمة لبطريركية موسكو. إلا أنّ أوستاش مُقتنع بأنّ «الكنيسة الأنطاكية سوف تدخل في حوار مع الكنيسة الأوكرانية». وفي هذا الإطار، يؤكد أنّه «حتى الساعة، أعلنت 300 أبرشية تابعة للكنيسة الروسية في أوكرانيا، رغبتها الانضمام إلى الكنيسة المستقلة. أما اعتراف الكنائس الأخرى، فقد يستغرق بعض الوقت».
وردّاً على سؤال عن كون الأزمة الأرثوذكسية جزءاً من الصراع السياسي في العالم، يقول إنّه «لا توجد أزمة أرثوذكسية، بل حقائق ملموسة لحرب روسية ضد أوكرانيا بكل الوسائل وفي جميع المجالات، بما فيها الدين. تحاول روسيا تفسير العدوان على أوكرانيا كما لو أنها أزمة أرثوذكسية، وتحاول فرض هذه المعادلة على دول أخرى، مُخيفة إياهم بالخلافات والانشقاقات»، مُعتبراً أنّه لم يتم إنشاء كنيسة مستقلة أوكرانية، «بل أعيد استرجاعها، بعد أن كانت موجودة على شكل مطرانية كييف منذ عام 988. ظهور الكنيسة الاوكرانية، هو النتيجة المنطقية للعملية التي بدأها الشعب الأوكراني قبل أكثر من 300 عام».