ثلث الكتائبيين لم ينتخبوا حزب الكتائب في الانتخابات النيابية الماضية. هكذا خلص التقرير الذي أعدته ماكينة الحزب الانتخابية، في حين أن الأصوات التي حصل عليها من غير الكتائبيين تعدّ على أصابع اليد. كان يفترض بهذا التقرير الصادم أن يحوّل الكتائب إلى خلية دائمة الانعقاد، لمعالجة مكامن الخلل في الاستراتيجية السياسية والإدارية والحزبية التي أدت إلى خسارة مدوية خلال الانتخابات، ولا سيما أن الحزب خرج أيضاً من اللعبة السياسية، وبات هامشياً بكل ما يتعلق بالقرارات المهمة التي تتخذها الأحزاب الممثلة بالبرلمان. غير أن رئيس الكتائب سامي الجميّل، تغاضى عن كل ما سبق واختار الهروب إلى مؤتمر حزبي نقل موعده من 15 حزيران المقبل إلى 15 شباط، حتى يطيح المعترضين على سوء الإدارة واللامحاسبة، واعداً بانقلاب أبيض... على نفسه.

أما الأزمة الأكبر، فتتمثل ــ بحسب بعض المسؤولين الكتائبيين ــ بأن الحزب يموت موتاً بطيئاً، إذ «في عام 2015، بلغ عدد الكتائبيين المسجلين، أي المسدِّدين لاشتراكاتهم نحو 14 ألفاً من أصل 21 ألفاً. أما أخيراً، ورغم إصدار الأمين العام نزار نجاريان قراراً غير مسبوق بإعفاء الحزبيين من دفع رسوم الاشتراك لتشجيعهم على تسجيل أسمائهم، انخفض عدد المشتركين إلى نحو 8 آلاف مشترك!». رفضُ ثلثي الكتائبيين الحزبيين (يقدِّر المسؤولون عدد الكتائبيين الحزبيين بـ23 ألفاً اليوم) تسجيل أسمائهم، ولو مجاناً، مرّ عابراً لدى القيادة التي تجاهلت الانهيار الحاصل في الحزب مرة أخرى. ولكن «جرى التستّر على هذه الأرقام عبر الضغط لعدم حصول انتخابات مندوبين في الأقضية يوم الأحد الفائت. والمندوبون يشكلون نحو 75% من الهيئة الناخبة للمكتب السياسي في المؤتمر وينتخبون إلى جانب رؤساء الأقاليم والوحدات الحزبية المعينين، المكتب السياسي ورئيس الحزب ونائبه». وفي التفاصيل أن الأمانة العامة ركزت عملها على فوز المندوبين بالتزكية، «فأجبرت البعض على الانسحاب لضمان ذلك». السبب الثاني لعدم إجراء انتخابات، وهو الأخطر، يكمن في عدم تسليم لوائح الشطب لأي مرشح. إذ يقول مرشحون تواصلت معهم «الأخبار» إنهم طالبوا بلوائح الشطب من دون أن يحصلوا عليها وكان الردّ دائماً: «نزودكم بها في حال حصول انتخابات». أما اللوائح التي علقت في المراكز «فجرت حمايتها بواسطة حرس منعاً لتصويرها».
تزكية المندوبين بعدم توزيع لوائح الشطب ليست جديدة، بل يجري اعتماد الطريقة نفسها منذ عام 2009، تاريخ تسلّم الرئيس أمين الجميّل للحزب قبل أن ينتقل إلى ابنه. الأمر الذي فجّر الخلاف داخل المكتب السياسي أكثر من مرة، في ظل اعتراض النائب نديم الجميّل مراراً على ذلك، وإبلاغ الأعضاء أن أيّ مؤتمر ينعقد بلوائح غير منقحة يمكن الطعن فيه وفي نتائجه. علماً أن مؤتمر 2015 الذي نصّب سامي الجميّل رئيساً، أوصى بتنقيح اللوائح خلال مهلة عامين، لأن حزبيين كثراً تركوا الكتائب وباتوا في أحزاب أخرى، لكن ما زالوا مؤثرين في الانتخابات الحزبية. وهو ما لم يحصل، رغم مرور 3 سنوات ونصف سنة على المؤتمر.
يقول النائب نديم الجميّل لـ«الأخبار» إن «اللوائح التي اعتُمدت غبّ الطلب وحسب ما يناسب مصلحة القيادة. أضيفت بعض الأسماء على عجل، وأخرى جرى تجاهلها رغم تقديمها طلبات اشتراك. فيما سُلّمت اللوائح لبعض الأقاليم ومنعت عن البعض الآخر من دون سبب واضح». هل ستحضر المؤتمر؟ «لم أحسم قراري بعد، ولكني تقدمت بكتاب يتضمن ملاحظات على سوء الإدارة الحزبية، ولم أتلقّ ردّاً على أي سؤال، سواء طريقة صرف الأموال في الحزب وخلال الانتخابات، أو عن الامتناع عن محاسبة المسؤولين الذين عملوا ضد المصلحة الحزبية». ويشير الجميّل إلى أنه حين يطرح أي سؤال، يكون الجواب: «سنبحث ذلك في المؤتمر». لكن برأي نائب الأشرفية «الصدقية ساقطة. ويجري تحوير كلامي على أنه مشكلة شخصية بيني وبين سامي، رغم أني لا أترشح إلى الرئاسة، ولا أريد تمثيلاً في المكتب السياسي أو الأقسام. المشكلة الرئيسية بيني وبين أداء معيّن داخل الحزب الذي «خطف» المؤتمر ويعقده اليوم من دون أي تحضير، لكن يجري التسويق له على أنه الخلاص للحزب والبلد. بينما لم نجتمع منذ أكثر من شهرين خلال فترة الأعياد ونعقد اليوم بعض النقاشات الهامشية». إذاً، على أي أساس سيعقد المؤتمر؟ «يجري استنساخ مؤتمر 2015 بكل حذافيره: المدعوون أنفسهم والنتائج نفسها: وعود كثيرة من دون أيّ تنفيذ». وما الغاية منه؟ «بنظر سامي، المكتب السياسي ليس على تجانس تام معه، وهو ما يعوق نهوضه بالحزب. لذلك، يريد أن يأتي بغيره على عجل ليواليه مئة في المئة. علماً أن القيادة الحزبية كانت متضامنة ومتكاتفة معه، والاختلاف بالرأي عمل ديمقراطي يبني ولا يهدم. الواضح أنه يريد تصفية حساباته مع القيادة القديمة». هذه الإجراءات «تطيح العمل الحزبي والمؤسسات، وتحصر الحزب بشخص واحد إما نواليه أو نُستبعد. وحده الذي تزلّف للأمانة العامة ونائب الأمين العام يمكنه التقدم حزبياً. باتت السياسة تقرر مسبقاً، ويأتي من يريد فرضها على المكتب السياسي».

نديم الجميّل: سامي يصفّي حساباته مع القيادة القديمة، ولا يمكن أيَّ حزبي الوصول إلا بالتزلف


ينفي أحد المسؤولين في الأمانة العامة كل «التهم» السابقة، مؤكداً أن «أكبر عملية تنقيح للوائح حصلت منذ شهرين عبر استبعاد نحو 22% من الأسماء وقام بها رؤساء الوحدات الحزبية. أما من لم يعد كتائبياً، فلم يوقّع أصلاً (طلبَ تجديد انتسابه)». ماذا عن فارق أرقام المشتركين بين 2015 و2019، رغم المحفزات التي أُقرّت أخيراً؟ «في عام 2015 اعتمدت لوائح شملت الجميع واليوم جرى تنقيحها، والرقم المتداول قريب، ولكن غير دقيق كلياً. من جهة أخرى، لم يسجل كل الحزبيين أسماءهم، لأن لديهم ثقة بالقيادة»! قبل نحو شهرين، طالب بعض أعضاء المكتب السياسي بتعديل طريقة تصويت المندوبين خلال المؤتمر، ليصبح صوتاً واحداً للفرد الواحد، على غرار ما طرحه سامي الجميّل خلال مناقشة قانون الانتخابات، وذلك لخلق ديمقراطية إضافية. فاليوم بلوك المتن الشمالي البالغ عدده 88 مندوباً، إضافة إلى كسروان (19 مندوباً) أو بعبدا (17) بإمكانه حسم الانتخابات. لكن، للمفارقة، رفض سامي اعتماد هذا النظام داخل حزبه. كيف يمكن تبرير هذا التناقض؟ «لا يمكن تعديل نظام الانتخاب إلا بمؤتمر، نتحدث هنا عن انبثاق سلطة، ولا يمكن تعديلها داخل المكتب السياسي»، يجيب مسؤولون في الأمانة العامة للكتائب.
تنقض مصادر المكتب السياسي كل ما قالته الأمانة العامة «للتعمية على الحقيقة. الـ 22% المذكورون سابقاً هم الأشخاص الذين لم يوقّعوا بأنفسهم (على طلبات تجديد انتسابهم). فرفضت طلباتهم، وبالتالي لم يشاركوا بانتخاب المندوبين، لكنهم ما زالوا في عداد الحزبيين. أما التنقيح، فمختلف تماماً عن ذلك، ويفرض على المعنيين غربلة لوائح الشطب لإزالة اسم كل من لم يعد حزبياً. العملية تتطلب إحالة على مجلس الشرف الذي يرفع توصية إلى المكتب السياسي حيث يتخذ القرار. وهو ما لم يحصل خلال السنوات الأربع الماضية، إذ سحبت العضوية من 3 أشخاص فقط، من بينهم الوزير السابق سجعان قزي وميشال مكتف. لوائحنا الحالية ملغومة». وفي ما خصّ تعديل طريقة التصويت داخل المؤتمر، «يمكن المكتب السياسي اتخاذ قرار بطريقة انتخاب المندوبين. ما لا يمكن المكتب فعله حصراً، تعديل نظام انتخاب المندوبين في الأقضية، وذلك بحسب القانون».



الأمين العام لنديم: أعرف كيف أطلق النار
العلاقة بين النائب نديم الجميّل والأمين العام نزار نجاريان ليست على ما يرام، رغم أن الأخير بشيريّ ومعارض شديد لنهج أمين الجميّل. ولكن منذ البداية نجح رئيس الحزب سامي الجميّل بوضع نجاريان في بوز المدفع ليواجه ابن عمه بالنيابة عنه: تارة لا يوصل الورقة التي يسلمه إياها نديم لعرضها على المكتب السياسي، وطوراً «يكسّر» بنتيجته الانتخابية في الأشرفية. المشادة الأعنف بين الرجلين وقعت منذ نحو أسبوعين على إحدى مجموعات القيادة الكتائبية على «واتساب» بعد سؤال نديم لماذا لم يُجَب عن تساؤلاته، متهماً الأمين العام بالتقاعس. فما كان من نجاريان إلا أن شنّ هجوماً على ابن بشير، بالإشارة إلى أنه لم يفعل أي شيء للكتائب، فيما هو (نجاريان) ضحّى إلى جانب والده. وعندما قال نديم إن أصوات مقترعي الأشرفية هم الحكم في هذا السياق، أجابه نجاريان بأن هؤلاء اقترعوا «للشيخ بشير». ليضيف: «لن أكون "أبو شادي" ثاني ترسل شبابك لضربي، أنا أعرف كيف أطلق النار». فسأله نديم: «هل تهددني بالقتل؟»، ليجيبه الأخير: «أقصد سأطلق على من سترسله من شبابك». هنا تدخل النائب سامي الجميّل، قائلاً إن المؤتمر سيقرر من لديه مؤيدين، داعياً إلى الاستماع «للديمقراطية» قبل أن ينهي نديم المشادة بسؤال سامي عن أي ديمقراطية يتحدث، وكل المندوبين في كل المناطق فازوا بالتزكية: «هذه فضيحة وجرصة، فالمؤتمر معلّب وعامله عقياسك».


الورقة السياسية: «الفدرالية هي الحلّ»
الاستراتيجية السياسية للكتائب ستعرض خلال المؤتمر من خلال اللجنة التي كلفت تحضيرها ويصوّت عليها برفع الأيادي. طوال الشهرين الماضيين، كانت القيادة الكتائبية منقسمة على نفسها، ولكن مجمعة على ضرورة إحداث صدمة لإعادة اعتبار الحزب في «الشارع المسيحي». شدّ الحبال حصل بين فكرتين: واحدة تقول بطرح اللامركزية الموسعة، وأخرى تشجع على أن الفدرالية هي الحلّ.
مؤيدو الفدرالية يرون في اللامركزية اقتراحاً باهتاً بات متداولاً على لسان غالبية الأحزاب. لذلك، يقول هؤلاء إن كافة الترجيحات تميل نحو طرحهم، ولا سيما أن كل تجارب العامين الماضيين من التعيينات إلى الإدارات إلى مختلف مؤسسات الدولة برهنت أن التقسيم الطائفي حاجة وليس خياراً.


النواب السابقون... لزوم الصورة الجميلة
في السابق، أي قبل أن يتقلص تمثيلا الكتائب إلى ثلاثة نواب، كان يمنع على النواب والوزراء السابقين الانضمام إلى المكتب السياسي. فيما اليوم، يطلب رئيس الحزب سامي الجميّل شخصياً من النواب السابقين الترشح إلى المكتب السياسي للحلول مكان الأعضاء الثلاثة الذين استقالوا اعتراضاً على تقديم موعد المؤتمر. وذلك، وفق بعض أعضاء المكتب، كي لا تفضحه صورة الصفوف الأمامة الفارغة في المؤتمر... إلا من مقعدين: هو والنائب الياس حنكش. حتى انتخابات المكتب السياسي أرادها تزكية، فضغط على رئيس إقليم زحلة السابق بيار مطران للانسحاب لينجح تلقائياً كل من النواب السابقين: إيلي ماروني وفادي الهبر وسامر سعادة. وهؤلاء مدة ولايتهم أسبوعان فقط، أي إلى حين انعقاد المؤتمر العام.