بين إقرار قانون يجيز الصرف والجباية على أساس القاعدة الاثنتي عشرية وبين إصدار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لقرار يبيح الصرف مؤقتاً وإلى حين تشكيل الحكومة، رجحت كفة الخيار الأول، خاصة أن ثمة سابقة مشابهة حصلت في عام 2006. مع ذلك، إن المخرج الذي اتُّفق عليه، وإن توجد سابقة له، لا يلغي حقيقة أن الحل المطروح يشكّل مخالفة دستورية، كما يؤكد أكثر من نائب مؤيد لـ«أبغض الحلال». كذلك، فهو يتناقض مع ما خلص إليه المجلس الدستوري في قراره الصادر في 14 أيار 2018، والذي يؤكد فيه أن «انتظام المالية العامة في الدولة هو ركيزة الانتظام العام ذي القيمة الدستورية، وهو لا يتحقق إلا في إطار الموازنة العامة».

وبالرغم من أن الجلسة التشريعية يفترض ألّا تتأخر، إلا أن أحد أعضاء هيئة مكتب المجلس أوضح أنه إذا صدقت النيات هذه المرة، وتشكلت الحكومة، فإن الجلسة قد تتأجل. ويمكن عندها الاستغناء عن إقرار قانون جديد يشرّع الصرف والجباية، ويُفسح المجال أمام الحكومة الجديدة لإعداد موازنة وعرضها على المجلس لإقرارها. لكن لأن شهر كانون الثاني صار على نهايته، أي إنه لن يكون بالإمكان الاستمرار بالصرف على أساس القاعدة الاثنتي عشرية إلى حين تشكيل الحكومة وإقرارها للموازنة، قد يطرح خيار مؤقت يسمح باستمرار الصرف لفترة وجيزة، من دون أن يلغي ذلك احتمال عقد الجلسة التشريعية في كل الحالات.
إلى أن تتضح المآلات الحكومية، سيناقش مكتب المجلس غداً مسوَّدة جدول أعمال الجلسة العامة، الذي يضم 12 اقتراح قانون معجل مكرر، أبرزها: «الإجازة للحكومة اعتماد القاعدة الاثنتي عشرية لغاية صدور قانون موازنة 2019»، المقدم من النائب ياسين جابر بتاريخ 18/1/2019، واقتراح القانون المعجل الذي يجيز للحكومة الاقتراض بالعملات الأجنبية، المقدم من النائب نفسه. كذلك يضم جدول الأعمال 11 مشروع قانون أنجزتها اللجان، إضافة إلى 7 اقتراحات قوانين، بعضها مؤجل من الجلسة الماضية.
عملياً، إن هذا الحل، إنما جاء ليقضي على الفكرة التي كررها الرئيس بري مراراً والمتعلقة بانعقاد حكومة تصريف الأعمال لإقرار الموازنة. وبالرغم من تأكيد مراجع دستورية عديدة، منهم الوزير السابق إبراهيم نجار، أنه إذا توافرت الضرورة والعجلة والمصلحة العامة، يحق لمجلس الوزراء أن يجتمع، خاصة إذا مرّ وقت طويل على تصريف الأعمال، إلا أن الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري لم يسيرا باقتراح بري.

اقتراح قانون يجيز استمرار القاعدة الاثنتي عشرية إلى حين إقرار الموازنة


ولأن رئيس المجلس يرفض أن تتحمل وزارة المالية مسؤولية الصرف من دون إجازة، فقد جرى التوصل إلى الصيغة نفسها التي اعتمدت في موازنة 2005، حين نصّ القانون رقم 717 (3 شباط 2006) بمادته الوحيدة على «الإجازة للحكومة اعتباراً من أول شباط 2006 ولغاية صدور قانون موازنة 2006 جباية الواردات كما في السابق، وصرف النفقات على اعتبار القاعدة الاثنتي عشرية قياساً على أرقام الاعتمادات المرصودة في موازنة 2005...». علماً أن هذا النص كان الحجة القانونية للحكومات المتعاقبة للجباية والإنفاق دون حسيب أو رقيب. تماماً كما يخالف اقتراح القانون المطروح صراحة المادة 86 من الدستور التي تؤكد أن اعتماد القاعدة الاثنتي عشرية محصور بشهر كانون الثاني. وهو ما كرره المجلس الدستوري، بإشارته إلى أن «التمادي في الإنفاق على أساس القاعدة الاثنتي عشرية يُخالف ما نص عليه الدستور في المادة 86».
وأكثر من ذلك، يعتبر النقيب السابق للمحاسبين أمين صالح، أن تطبيق الدستور حرفياً يقود إلى حصر اللجوء إلى القاعدة الاثنتي عشرية، بشرط عدم انتهاء المجلس من إقرار الموازنة، وليس بعدم إقرارها بالمطلق. كذلك يخلص إلى أن كل هذه الإجراءات تعني العودة إلى عدم الانتظام المالي، معتبراً أن الحل الأمثل كان باجتماع الحكومة وإقرار الموازنة، انطلاقاً من أن تصريف الأعمال هو عمل سلطوي بامتياز، والوزراء عندما يوقعون المراسيم يوقعونها بصفتهم وزراء في الحكومة، وبالتالي إن إعداد الموازنة يقع في صلب عملهم.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن الموازنة ليست هي الموجب الدستوري الوحيد، فقد دعا المجلس الدستوري إلى «الخروج من الحالة الشاذة المتمثلة بغياب قطع الحساب لسنوات عدة سريعاً ودون تباطؤ الخروج من الحالة الشاذة هذه ووضع قطع حساب وفق القواعد التي نص عليها الدستور وقانون المحاسبة العمومية، لعودة المالية العامة إلى الانتظام، ووضع حد لتسيب المال العام، وضبط الواردات والنفقات وتقليص العجز في الموازنة العامة، وممارسة رقابة فاعلة على تنفيذ الموازنة».