ترك موقف وكيل وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية السفير دافيد هيل، الاثنين الفائت (14 كانون الثاني)، عن الحكومة الجديدة كما عن حكومة تصريف الأعمال أكثر من علامة استفهام، خصوصاً أنه أطلقه بعد مقابلته الرئيس المكلف سعد الحريري، وتلاه في بيان معدّ سلفاً.

فُسِّر أولاً موقفه ذاك على أنه يضع ما يشبه المواصفات الأميركية للحكومة الجديدة. فُسِّر ثانياً على أنه يرسل إشارة سلبية إلى الجهود الحالية للتأليف، خصوصاً مأزقها الأخير الذي يعزوه الأميركيون إلى حزب الله، كأن السفير الزائر لا يحبذها، فاختار التحدّث عن تشجيعه حكومة تصريف الأعمال على «المضي قدماً حيث يمكنها» في اجتماعاتها. فسِّر ثالثاً على أنه يطلب استبعاد حزب الله عنها وعن حقيبة أساسية فيها هي الصحة، عندما لمّح إلى أن لإدارته رقابة لاحقة على «الحكومة المختارة» بعد تأليفها، كي تحكم على تعاونها معها، أو مناوأتها لها.
أقرن هيل عباراته المنتقاة تلك - في الغالب من صنع السفارة في بيروت على رغم معرفته المخضرمة بمستقبليه اللبنانيين - بإبراز عدم رغبة إدارته في التدخّل في الشؤون اللبنانية الداخلية، بقوله إن اللبنانيين هم الذين يختارون حكومتهم. مع ذلك فسَّر البعض كذلك ما قال على أنه يدق جرس عودة حكومة تصريف الأعمال إلى مجلس الوزراء والفسح في المجال أمام إطالة أمد تأليف الحكومة الجديدة.
في جانب من المناقشات التي خاضها مع أفرقاء لبنانيين أصدقاء له، بعيداً من المسؤولين الرسميين، إثارته تساؤلات رمت إلى التحقق من استنتاجات مسبقة تتصل بالواقع الحالي لحزب الله داخل السلطات الرسمية. في بعض ما قاله لهم إن بلاده لن تأتي إلى لبنان لمحاربة حزب الله، لكنها لا تريد في أي حال تعزيز دوره في السلطة. قال إن عقوبات إدارته على إيران والحزب أظهرت جدواها وفاعليتها عليهما معاً وتأثرهما المباشر بها، ما سيحملها على مضاعفتها كمّاً، في وقت لن تحتاج كي تؤكد أنها لن تتخلى عن أصدقائها في المنطقة كالمعارضة السورية والأكراد وحلفائها اللبنانيين، شأن مسؤوليتها عن الأنظمة الحليفة والصديقة.
بعض مخاوفه المرتبطة بالحذر حيال مساعي تأليف الحكومة، وربما عدم استعجاله، أن الانتخابات النيابية الأخيرة أعطت الحزب وحلفاءه غالبية مرجحة في البرلمان، ما يفضي إلى الاعتقاد أن في وسعه إلقاء ظله على الحكومة الجديدة والتأثير في قراراتها. عزّز قلقه ما سمعه أيضاً ممّن التقى بهم أن حزب الله نجح في التمدّد إلى الطوائف اللبنانية كلها، فبات له حلفاء مسيحيون ودروز في الحكم، وأخيراً يقود معركة تكريس حلفائه السنّة في معادلة الحكومة بعد مجلس النواب.
المعنيون المباشرون بما قاله هيل من بيت الوسط يقدّمون بدورهم تفسيراً رسمياً كالآتي:
«1 - ما دامت حكومة تصريف الأعمال موجودة، فمن المحبذ اتخاذها الخطوات التي يسمح بها الدستور والقوانين اللبنانية من أجل جبه التحديات والمشكلات التي يواجهها لبنان، من بينها الأوضاع الاقتصادية كي لا تذهب الأزمات إلى ما هو أصعب.
2 - لا يوافق الأميركيون على أن تحل حكومة تصريف الأعمال محل الحكومة الجديدة أو تمنع تأليفها.
3 - ما أورده هيل لا يعدو كونه تمنياً، وللبنانيين أن يقرّروا ما يفعلون».
ما تحدّث عنه الديبلوماسي الأميركي تجنّبت السفيرة في بيروت إليزابيت ريتشارد الخوض فيه منذ بدء الأزمة الحكومية، قبل أكثر من ثمانية أشهر ونصف شهر. على الأقل في مواقفها المعلنة أمام المسؤولين اللبنانيين. وهي تحاول على الدوام الظهور في مظهر الذي يبذل جهوداً لتفادي التدخّل في الشأن الداخلي. في المقابل، على رغم الحماسة الأميركية لتعويم حكومة تصريف الأعمال، إلا أن جانباً من العقبات المحلية أضحت أكثر إرباكاً:
- رئيس مجلس النواب نبيه برّي يؤيد عودة الحكومة إلى الاجتماع مرة واحدة فحسب لإقرار الموازنة العامة، بعدما باتت خارج كل مهلها الدستورية التي تفترض بعد إقرارها في الحكومة في أيلول، التصويت عليها في مجلس النواب في كانون الأول وفي حد أقصى في نهاية كانون الثاني من ضمن عقد استثنائي. كلاهما لم يحصل. أكثر من مرة طلب برّي التئام الحكومة لهذا الغرض حصراً، مع تأكيده عدم تعميم التئام انعقاد مجلس الوزراء على صورة صلاحيات البرلمان في التشريع وإن في ظل حكومة مستقيلة. ما يقوله أمام زواره أن من المفترض صدور مرسوم عقد استثنائي كي يلتئم المجلس ويشرّع، ولا ينتظر موعد العقد العادي الأول في منتصف آذار. لم يطلبه ولم يؤتَ إليه به.

الحريري أبلغ إلى بري موافقته على اجتماع الحكومة، إلا أن عون يرفض


ثم يعقّب: «لي رأي عملاً بالمادة 69 من الدستور. ما دامت الحكومة مستقيلة وفي طور تصريف الأعمال، للمجلس أن يجتمع ويعدّ نفسه في عقد، لا هو عادي ولا استثنائي تبعاً لمواعيدهما، بل هو انعقاد دائم إلى حين تأليف الحكومة ونيلها الثقة. مع ذلك، لم أدعُ المجلس إلى الانعقاد، ولا أطلب عقداً استثنائياً، بل أنتظر الآخرين».
- وفق ما أخطره الحريري إلى رئيس المجلس أنه يؤيد عقد جلسة لمجلس الوزراء لإقرار الموازنة، وهو مستعد لها، إلا أن عائق انعقادها هو رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يرفض الموافقة على عقد جلسة كهذه، وإن يتيمة للموازنة العامة.
- بدوره رئيس الجمهورية يرفض سابقة تعويم الحكومة لا يسمح بها الدستور، شأن حال مرحلة ما قبل اتفاق الطائف، ويحجم عن تسهيل أي خطوة يُستشم منها التشجيع على استمرار التباطؤ في تأليف الحكومة الذي هو الأولوية التي لا تتقدّم سواها.