ساهمت القمة العربية الاقتصادية في تخفيف مفاعيل الاشتباك السياسي حول تأليف الحكومة. وعلى رغم أن التحضير للقمة لم يخل هو الآخر من إشارات تصب في إعطاء بُعد جديد للخلاف السياسي نفسه، إلا أنه سحب مشاورات التأليف من التداول إلى حين. لكن ما إن تنتهي القمة، بعدما انتهت عطلة الأعياد، وتعود القوى السياسية الاثنين المقبل إلى الواقع الداخلي، وتغادر كل الوفود العربية، فإن استحقاق الحكومة سيطل مجدداً، وستعود المشكلة الحكومية إلى الواجهة.

ثمانية أشهر حتى الآن، استنفدت فيها كل الأفكار التي يمكن أن تساهم في حلحلة العقد الحكومية، وجوجلت كل أنواع الاقتراحات التي وصلت إلى حائط مسدود. لم يبق طرح لم يقدم لإخراج الحكومة من أزمتها، طوال سبعة أشهر، من رفع العدد إلى تقليصه إلى توزع جديد للمذاهب والحقائب، والتمسك بحصص الكتل والرئيس والتيار الوطني، إلى كل أنواع التجاذب حول أسماء المستوزرين رفضاً أو قبولاً، والضغط المعنوي والسياسي وشد الكباش والبحث في إمكان توجيه رئيس الجمهورية كلمة إلى اللبنانيين، أو رسالة إلى المجلس النيابي، وكلها، وبعضها يتخطى المعقول، لم تساعد في الدفع نحو التشكيل. من هنا ثمة اعتراف من معنيين بالتأليف، أن الجميع بات حالياً أمام الواقع بكل قساوته. فإما حكومة تنقذ العهد وتساهم في تخفيف الأزمة الاقتصادية والمعيشية أولاً وآخراً، أو يتجه الوضع إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والسياسي. وهذا يقتضي من الجميع وضع القليل من الماء في نبيذهم. فالاستحقاق آت ولا بد من التعامل معه بواقعية، في ظل أسئلة ترتسم عن المعايير المقبلة التي ستعتمد لمواجهة معركة التأليف، لناحية موقع رئيس الجمهورية ميشال عون وموقع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري.
حتى الآن يبدو رئيس الحكومة المكلف أبعد ما يكون عن معركة التأليف، بعدما رست الأمور عنده على نقطة وحيدة لا يريد التراجع عنها وهي عدم إعطاء المقعد السني الذي تطالب به قوى 8 آذار من حصته. أكثر من ذلك لا يبادر الحريري ولا يتقدم إلى الأمام خطوة واحدة يمكن أن تساهم في استعجال التأليف. لا سيما أنه برفضه كل الاقتراحات الأخيرة الآتية من جانب التيار الوطني الحر، يجد في تشبثه بموقفه، حليفاً غير معلن هو الرئيس نبيه بري فيقف معه في خلفية عدم إعطاء التيار كل ما يرغب به، أكان ثلثاً معطلاً أم رفع العدد إلى 32 وما فوق، لأن العقدة اليوم تقف عند حصة رئيس الجمهورية والتيار مجتمعة، من دون مواربة.
وإذا كان الرئيس المكلف مرتاحاً إلى انصرافه عن متابعة شؤون التأليف، فإن المشكلة عند رئيس الجمهورية مختلفة تماماً. يدرك عون تماماً اتجاه الأوضاع الداخلية نحو التأزم أكثر فأكثر. وحساباته، تختلف عن حسابات أي طرف آخر، لأنها تتعلق بسمعة عهده وحرصه على قيام دولة المؤسسات، كما اعتاد أن يردد، ولأنه بدأ يلمس باستياء أن الوضع الداخلي يزداد سوءاً. وبقاء عهده بلا حكومة، أمر يمسه مباشرة، لأنه لم يعد قادراً على إحداث الخرق المنشود. لذا بات يقف أمام خيارات فعلية لا بد من حسمها. بين المواجهة المباشرة مع الطرفين المعنيين بالأزمة أي الحريري وحزب الله، وبين تدوير الزوايا لاستخراج حل واقعي وليس عجائبياً، يكمن في موقع عون في المعادلة الحكومية. هو بات واثقاً من أن حزب الله ليس في وارد التراجع عن موقفه، طالما أن الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله عبّر عن ذلك بوضوح، وطالما أن الحزب يتواصل معه على المستوى الرفيع، وليس عبر أقنية الحوار المعتادة. وكذلك فإنه مدرك تماماً أن الحريري أيضاً لن يتراجع عن موقفه، لأنه يعتبر أنه قدم فعلياً كل تنازل ممكن ولم يعد قادراً على تقديم مزيد من التنازلات. علماً أن عون لا يريد كسر الحريري والتضييق عليه، وسبق أن كرر أكثر من مرة أنه يريد رئيساً قوياً للحكومة، ودعم مطلبه في المرحلة الأولى بعدم توزير ممثل عن سنة 8 آذار لاعتبارات كان واضحاً في سردها.

الاجتماع المالي في بعبدا وانعقاد المجلس الأعلى للدفاع ليسا حلاً بل «بدل عن ضائع»


وفق ذلك لم يعد رئيس الجمهورية يملك سوى خيارات محدودة، بعدما استنفدت كل الاقتراحات. وهو لا يريد مواجهات مع أي طرف لا تؤدي إلى فتح باب للحل، لأن المواجهة مكلفة للجميع ومن دون طائل، لا سيما مع الطرفين المعنيين الملتزم معهما بتفاهمات سياسية أي حزب الله والحريري. عدا عن أنها مواجهات لا نفع سياسياً لها إلا مزيد من التوتر الداخلي الذي يرغب بإعفاء لبنان منه. لكنه في الوقت نفسه مصر على إحداث خرق على طريق التأليف، لأن الاجتماعات الحكومية التي حصلت، كالاجتماع المالي أو دعوة المجلس الأعلى للدفاع لبحث الاعتداءات الإسرائيلية، ليست الحل المنشود، بل بدل عن ضائع، ولا تغني عن تأليف الحكومة، خصوصاً أن هناك من يترصد هذه الحركة خشية أن تكون رئاسة الجمهورية تنال من صلاحيات رئيس الحكومة. من هنا ليس أمام عون إلا العودة إلى خيارات سبق أن اعتمدها بنفسه حين كان رئيساً للتيار الوطني وتكتل التغيير والإصلاح، من خلال تخفيف الاحتقان وتدوير الزوايا، والتعامل من وحي موقعه رئيساً للجمهورية وحرصه على تأليف الحكومة بأقل قدر ممكن من الأضرار على العهد وعلى تياره وكل القوى السياسية التي ارتضت حصصها. ويفتح الباب بذلك لمعالجة مشكلة الوزير السني المقترح، شكلاً ومضموناً، فلا يشكل ذلك خسارة لأي طرف، ما دام الجميع ارتضى حكومة وحدة وطنية. لأن تفعيل حكومة مستقيلة، ولو رضي عنها الأميركيون، ليست هي التي يريدها عون لعهده. ولا حتماً يريد مواجهة سياسية مع أي طرف وإن كشفت الأيام الأخيرة بعضاً من أوجه العتب والاختلافات على قواعد سياسية معينة. لكن العبرة تبقى في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن تأليف الحكومة ليس تراجعاً أو تنازلاً، بل إنقاذ العهد، الذي هو رئيسه وحده، بدل إغراقه في مزيد من التجاذبات بلا طائل، والتلهي في البحث عن جنس الملائكة.