يُنهي الوزير ملحم رياشي، مشواره الأولّ، في وزارة الاعلام بخيبة أملٍ، من «الدولة العميقة» غير المُبالية بدعم وتطوير وإصلاح قطاع الإعلام. وخيبة أملٍ، من المُحررين الذين لم يعتبروا أنفسهم معنيين بالمعركة التي أطلقها زميلهم رياشي. مشاريع قوانين عدة، عملت عليها وزارة الإعلام، طيلة أقل من سنتين، لينتهي بها الأمر في أدراج الأمانة العامة لمجلس الوزراء. وجود وزير - إعلامي، كان يُمكن أن يُشكّل فرصة لـ«انتشال» الإعلام من واقعه المأزوم، سُرعان ما بدّدتها المصالح السياسية والمُحاصصات النقابية.

قبل أن يُعيَّن في وزارة الاعلام، خاض «الإعلامي» ملحم رياشي، مع زملاء آخرين، «نضالاً» ضدّ «النظام» الإعلامي والصحافي السائد. وَجَد في تعيينه، مُناسبةً لإحداث فرق. إحداث خرقٍ في هذا الواقع البائس، سعياً خلف إبادته. وصل المسؤول السابق للجهاز الإعلامي للقوات اللبنانية إلى مكتبه في الحمرا، في كانون الأول 2016، مُتأبطاً عدداً من مشاريع القوانين، الهادفة إلى تطوير القطاع الإعلامي والصحافي. «على رايِة (زياد) الرحباني، هيدا البلد لا زراعة في ولا صناعة في»، يقول رياشي، مُضيفاً بأنّه «إذا كان هناك نيّة لتطوير لبنان، يجب أن يكون لدينا إعلام حرّ، وهذا الأمر مُرتبط بإقرار رزمة المشاريع التي قدّمناها».
أهمّ الملّفات التي عمل رياشي عليها هي: مشروع قانون إنشاء نقابة المُحررين، تطوير بنية ووظيفة مجلس الإعلام المرئي والمسموع بما لا يتعارض مع طبيعة عمله، مشروع قانون تعديل الفصول الثالث والرابع والخامس والسادس من قانون المطبوعات وإلغاء المادة 583، مشروع قانون يقضي بإجراء تسوية مع المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة حول قيمة الرسوم وبدلات الإيجار السنوي المترتبة عليها، مشروع قانون يقضي بمنح الصحافة الورقية مساهمة مالية عن كلّ عددٍ يُباع يومياً، طرح تعديلات على بعض أحكام قانون الرسوم والعلاوات البلدية وقانون الضريبة على القيمة المضافة وقانون الضمان الاجتماعي.

ليس زمن المعجزات
لم يكن ملحم رياشي ينتظر أن يُحقّق «المُعجزات»، وأن تتحسّن بين ليلةٍ وضُحاها ظروف عمل الصحافيين والإعلاميين. ولكنّه، في أسوأ الأحوال، لم يتوقّع أن لا يُقرّ أيّ من المشاريع التي قدّمها، أو يتمّ إهمالها إلى درجة عدم إدراجها على جدول أعمال مجلس الوزراء، طيلة سنة ونصف السنة من العمل الحكومي.
«خيبة الأمل»، التي تمكّنت من رياشي، لم تنحصر بـ«الاستابلشمنت» الموجود، كما يُسمّيه. بل شملت أيضاً، الإعلاميين والصحافيين، الذين نأوا بأنفسهم عن معركةٍ تعنيهم بالدرجة الأولى والأخيرة. فلم يوفّروا لرياشي «الغطاء» المطلوب لزيادة الضغط على «كارتيل» السياسيين ونقابتَي الصحافة والمُحررين، لإجبار هؤلاء على الانصياع للمطالب الإصلاحية.
بدعوةٍ من «الأخبار»، وخلال لقاءٍ في مكاتبها، يُناقش رياشي الملّفات المرتبطة بوزارة الإعلام ويتحدّث عن مشاريع القوانين التي تقدّم بها، مُحاولاً تفنيد العقبات التي رافقت عمله الوزاري. يقول رياشي: «حوّلت الجسم النقابي كلّه إلى معركتي». لذلك، يُمكن اعتبار مشروع إنشاء نقابة المُحررين، «هو أحد أهمّ المشاريع التي تقدّمت بها». أرادها أن تتحوّل إلى «نقابة كلّ العاملين في الإعلام في لبنان، مع الحفاظ على الاسم العريق لنقابة المُحرّرين». وواجبات النقابة هي في حماية الصحافيين قضائياً وصحياً ومهنياً، وتأمين تقاعدٍ يليق بهم. «مش مجبور حدا يوصل لعمر معيّن، ويضلّ عم يشتغل ليعيش، أو ما حدا يسأل عنّو»، والأمثلة كثيرة أمام رياشي.

حتى نقابة الصحافة... عرقلت
في تموز الماضي، «احتفل» الجسم الاعلامي (تحديداً العُمّال)، باقرار مجلس الوزراء لمشروع «النقابة» المُقدّم من وزارة الإعلام. مشروع يضمّ خمسة فصول و18 مادّة، واستمر العمل عليه، بين نقابة المُحررين ووزارة الإعلام، 7 أشهر. النقابة، بحُلتها الجديدة، كانت «ستؤمّن الحماية الاستراتيجية للإعلاميين»، يقول رياشي. إلا أنّ الصوت الاعتراضي، لنقابة الصحافة، كان أقوى من كلّ ما عداه. نجح «الخائفون» على مصالحهم الخاصة ونفوذهم، في «إقناع» رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، بإيقاف المشروع وعدم توقيعه. وهذا ما حصل. إنّه «صراع المصالح»، بحسب رياشي.
ويزيد بأنّ نقابتَي المُحررين والصحافة، «هما كنقابة الأطباء ونقابة المستشفيات. ولكنّهما (المُحررين والصحافة) لا تفهمان وجود هذا الفرق». طَرَح رياشي أن يتمّ إدخال التعديلات التي طالب بها نقيب الصحافة عوني الكعكي على المشروع، فيُقرّه مجلس الوزراء من جديد، قبل إحالته إلى مجلس النواب «حيث ستوافق كلّ الكتل النيابية، بمن فيها كتلة المستقبل». عبثاً. يؤكّد أنّه لو أُقرّ مشروع نقابة المُحررين، «كان سينتسب، على الأقلّ، 8000 شاب وشابة، في لبنان والاغتراب». يرى الوزير أنّه «لا يوجد مفهوم حقيقي للإعلام في البلد». يستثني رياشي من كلامه، رئيس مجلس النواب نبيه برّي ولجنة الإعلام والاتصالات النيابية برئاسة النائب حسن فضل الله، فهما «أكثر من دعمني في كلّ المشاريع التي قدّمتها». حتّى أنّ «الإعلام والاتصالات» اقترحت أن «نُقدّم المشاريع التي فشلنا في إقرارها داخل الحكومة، كاقتراحات قوانين بدعم من بري. ولكن لم نقم بذلك، لأنّ سير الأمور كان بطيئاً، وهناك أصلاً، في اللجنة، قانون الإعلام الجديد الذي ينتظر بدوره إقراره». يقول رياشي بشيءٍ من القرف: «تعّبتني هالقصّة كتير!»، قاصداً الطريقة التي جرى بها التعامل مع مشاريعه الإعلامية.
المشروع الأكبر، بالنسبة إلى رياشي، هو إلغاء وزارة الإعلام وتحويلها إلى وزارة للحوار والتواصل. «بعد أن أصبحت الحكومة تصريف أعمال، حُوّل المشروع إلى وزارة المال لإبداء الرأي فيه. هناك بطء حقيقي في الأمانة العامّة لمجلس الوزراء. لا أريد أن ألوم أحداً، فربّما هناك ضغط عمل من بقيّة الوزارات، ولكن لم يُسمح بإنجاز شيء يتعلّق بوزارة الإعلام».

الإعفاءات للمؤسسات تتحول «هدراً»!
واجه رياشي، خلال ولايته، «قلّة دراية» جزء كبير من القوى السياسية، بأهميّة تحصين قطاع الإعلام والصحافة. وغياب الحدّ الأدنى من الحسّ بالمسؤولية تجاه المؤسسات الإعلامية والإعلاميين. هذا إذا ما افترضنا عدم وجود «نيّات خبيثة»، تستهدف تدمير القطاع الإعلامي في لبنان، وإبقاءه خاضعاً لـ«المزاج والمال السياسي»، والتواطؤ الحاصل بين سياسيين ونقابيين رافضين للخطوات الإصلاحية، التي ستُنهي «سطوتهم» على الإعلام والصحافة. كلّ مشاريع الدعم التي اقترحها رياشي للمؤسسات المرئية والمسموعة والمكتوبة، موقتة تمتد على ثلاث سنوات. إلا أنّ جميعها، خيضت حربٌ لعدم إدراجها على جدول أعمال مجلس الوزراء. وليست اللجنة الاقتصادية، في رئاسة الحكومة، براءٌ من هذا «الإثم». كـ«توصيتها» بعدم إدراج مشروع قانون إجراء تسوية مع المؤسسات المرئية والمسموعة، حول قيمة الرسوم وبدلات الإيجار السنوي للترددات المترتبة عليها. يبلغ مجموع الرسوم المتراكمة 11 ملياراً و745 مليوناً و432 ألف ليرة، اقترح رياشي أن تُخفّض إلى 3 مليار و523 مليوناً و629 ليرة لبنانية، تُقسّط على دفعتين. وافق أصحاب المؤسسات على هذه الصيغة، كذلك لجنة الإعلام والاتصالات، إلا أنّ اللجنة الاقتصادية الحكومية اعتبرت الخطوة نوعاً من «الهدر»، فلم يصل مشروع القانون إلى مسودة جدول أعمال الحكومة حتّى. «مش عم بقدر أفهم ليش ما مرق»، يُجيب رياشي، مُضيفاً أنّ الدولة «لم تُنظّم، منذ سنوات، عملية استيفاء الرسوم. فوضعنا هذا المشروع، لمساعدة الخزينة في تحصيل مداخيل مُجمّدة، وفي الوقت نفسه التخفيف عن كاهل المؤسسات». أيضاً وأيضاً، «ما المانع من إعفاء المُحررين من الرسوم والعلاوات البلدية، وغيرها من الإعفاءات، كأن تحلّ الدولة اللبنانية محلّ أرباب العمل في تحمّل قيمة الاشتراكات المتوجبة إلى الضمان الاجتماعي عن كلّ الموظفين في المؤسسات المكتوبة، والمُحررين فقط في المؤسسات المرئية والمسموعة؟ نحن بهذه الطريقة، نُساعد المؤسسات من أجل أن تستمر، إلا إذا كان الهدف الاستغناء عن الإعلام في لبنان».

اعتبرت اللجنة الاقتصادية في رئاسة الحكومة إجراء تسويات مع المؤسسات الإعلامية هدرا


الحُجّة في رفض الإعفاءات الممنوحة للإعلام والصحافة، هي أنّها «إجراءات غير عادلة». للسبب عينه، رُفض مشروع قانون منح كلّ صحيفة ورقية مساهمة مالية قيمتها نصف سعر كلّ عدد يُباع يومياً. عدا عن أنّ بعض مالكي الصُحف، طالبوا بدعم مقطوع، خوفاً من «فضيحة» انكشاف الرقم الحقيقي للأعداد التي يبيعونها يومياً، اعتبرت هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل أنّ «المشروع غير عادلٍ». يوضح رياشي أنّ هذا المشروع، الذي بدأ في عهد وزير الإعلام السابق رمزي جريج، «هدفه حماية القطاع الإعلامي، أسوةً ببقية المشاريع المُقدمة، فمن الطبيعي أن لا تكون عادلة أو مساوية لبقية المواطنين». النتيجة أنّ الأمانة العامة لمجلس الوزراء، لم تُدرج المشروع على جدول الأعمال، بغيابٍ شبه تامّ لأي دعم سياسي. تماماً كما سقط مشروع إلغاء المادة 583 من قانون المطبوعات، التي تُدين «مُرتكب الذمّ»، حتى ولو ثبتت حقيقة المعلومات، موضوع الذمّ، التي نشرها. هيئة القضايا والتشريع، ردّت المشروع، «ووافق وزير العدل سليم جريصاتي على ردّه، على رغم أنّني طلبتُ منه أن يُحوّل إلى مجلس الوزراء من دون ردّ، للموافقة عليه قبل تحويله إلى مجلس النواب، حيث أتعهّد إقرار القانون».

خلاصة التجربة: إنها الدولة العميقة
ملحم رياشي اليوم هو وزير في حكومة تصريف الأعمال. احتمال عودته إلى وزارة الإعلام، موازٍ لاحتمال عدم توزيره أو انتقاله إلى حقيبةٍ أخرى. «ضميره مرتاح» أنّ كلّ المشاريع، التي تعهّد العمل عليها، خرجت من وزارته... ولو إلى أدراج الأمانة العامة لمجلس الوزراء. «وضعنا المدماك الأول، ليُكمل أي وزير آخر ما بدأناه». كيف نضمن أن يتحمّل الوزير المُقبل هذه المسؤولية، ولا يخضع للضغوط؟ المفروض، بحسب رياشي، أن «نضغط من أجل تأمين مصالحنا. هناك أمانة اسمها نقابة المُحررين، لكلّ من يُريد أن يحافظ على كرامته في البلد. ولا يجوز أن تتحمس وسائل الإعلام فقط في ملفات التحدّي السياسي، فيما تنأى بنفسها عما يعنيها». ألا تتحمّل أنت والقوات اللبنانية، عدم القيام بضغط فعلي لإقرار مشاريع القوانين؟ «ماذا أمكنني أن أفعل أكثر من ذلك؟ أنا أُحمّل المُحررين مسؤولية عدم التجاوب، والوقوف إلى جانبي في هذه المعركة».
خلاصة تجربة رياشي في وزارة الإعلام أنّ «الدولة العميقة تُحبّ الإعلام المُرتهن والذي يُسوق له، ولكنّه يكره الإعلام الاستقصائي والذي يكتب رأياً نقدياً مُعارضاً ويملك قيمة سياسية واجتماعية وثقافية، وكأنّ هناك نيّة لإلغاء هذا النوع من الإعلام. هذا الاستابلشمنت لا يهتم بمشاريع قوانين الإعلام، ولا يعرف أنّ بلداً من دون صحافة لا قيمة له».



في شباط 2017، أحال وزير الإعلام ملحم رياشي مشروع قانون إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، يقضي «بإجراء تسوية مع المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة، لجهة إعفائها من موجب تأدية نسبة معينة من الرسوم والبدلات المتوجبة عليها لمصلحة الخزينة». وتبلغ النسبة التي يقترح رياشي إعفاء المؤسسات منها، 70 في المئة من المستحقات، علماً أن هذه المبالغ هي بدل إيجارات ترددات البث. لكن، أحيلَت الحكومة على «تصريف الأعمال» ولم يناقش مجلس الوزراء المشروع الذي أراد رياشي منه مساعدة وسائل الإعلام على تجاوز أزمتها المالية. في ما يأتي جدولان من مرفقات مشروع القانون، ويتشمل الأول متأخرات التلفزيونات (بالليرة اللبنانية)، والآخر مجموع المبالغ المتوجبة على المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة، وتلك المقترح إعفاؤها منها:

أنقر الصورة للتكبير