غزة | بالتزامن مع احتشاد الآلاف من المواطنين في مخيّم جنين لتشييع جثمانَي الشهيدَين محمد السعدي ونعيم الزبيدي، أطلقت فصائل المقاومة في غزة، صباح أمس، عدداً من الصواريخ التجريبية تجاه البحر، وذلك بعد يوم واحد من تنفيذها مناورة عسكرية كبيرة، تخلّلتها انفجارات سُمع دويّها في مختلف مناطق شمال القطاع. وجاء هذا النشاط الميداني في وقت يشير فيه السلوك الأمني الإسرائيلي إلى أن حالة الهدوء لن تستمرّ طويلاً، حيث تُواصل مختلف أنواع طائرات الاستطلاع الإسرائيلي «حرْث» أجواء القطاع على مدار الساعة، بالتزامن مع رفْع وسائل الإعلام الإسرائيلية المُوجَّهة من قِبَل الجيش، حدّة خطاب التحريض تجاه الفصائل، بوصْفها المسؤولة عن توجيه خلايا المقاومة في الضفة وتمويلها. وعلى هذه الخلفية، نقلت «القناة 13» العبرية عن مسؤول أمني إسرائيلي أن سلطات الاحتلال تدْرس تغيير سياستها إزاء القطاع، وإنهاء حالة الفصل بين «تحريض حماس والجهاد في غزة وبين ما يحدث في الضفة»، فيما حذّر مسؤول أمني إسرائيلي، قيادة حركة «حماس» بشكل خاص والقطاع بشكل عام، من «دفْع ثمن العمليات الفدائية» في الضفة والقدس. ونقلت قناة «كان» الرسمية العبرية عن المسؤول من دون تسميته قوله إنه «إذا تَبيّن أن الهجوم خرج من قطاع غزة، فسيكون لذلك ثمن».

من جهتها، تُعرب مصادر مطّلعة في المقاومة عن اعتقادها بأنه «من المستحيل أن يستمرّ الاحتلال في سياسة الفصل بين غزة والضفة، خصوصاً بعد تطوُّر أسلوب عمل المقاومة إلى عمليات التفجير المدروسة على شاكلة عملية القدس». وتكشف المصادر، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الاحتلال يدّعي أنه يمتلك معلومات حصل عليها من عناصر في المقاومة كان قد اعتقلهم أخيراً في شمال الضفة المحتلّة، وأقرّوا بأنهم يتلقّون التعليمات والتمويل من قيادة الأذرع العسكرية للفصائل في غزة». وكانت وسائل إعلام عبرية نشرت، في نهاية شهر تشرين الأوّل الماضي، أسماء أربعة أسرى محرَّرين من الضفة، مبعَدين إلى غزة، وزعمت أنهم «دينامو التحريض» في الأولى. كما ادّعت أن هؤلاء «يعملون من مقرّ قيادة الضفة الغربية في غزة، وتتمثّل مهمّتهم في الترويج والتحريض والتجنيد لشنّ عمليات عسكرية في الضفة». كذلك، تحدّثت مصادر إعلامية، في نهاية شهر تشرين الثاني الفائت، عن تمكُّن جهاز «الشاباك» من إحباط عملية تفجير كان يخطّط لتنفيذها أحد عمال القطاع، وزعمت أن القيادي في «سرايا القدس» جهاد غنام هو المسؤول عنها.
بناءً على ما تَقدّم، يقدّر الباحث والمحلّل السياسي، إسماعيل محمد، أن «قطاع غزة على أعتاب مواجهة جديدة، ولا سيما أن قيادة المقاومة في القطاع لا تنفي دورها في دعم ومساندة الحالة المتصاعدة في الضفة». ويلفت محمد، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «الأوساط الأمنية الإسرائيلية أعادت تصويب النار على القطاع بعد عملية القدس الأخيرة، خصوصاً أنها فشلت حتى اللحظة في الكشف عن أيّ طرف خيط يقودها إلى المنفّذين»، مضيفاً أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، مثل الشاباك والموساد، تكره الملفّات المفتوحة، لذا تبحث دائماً عن مسؤول ليدفع الثمن وتسترضي به الجبهة الداخلية. هذا ما فعلتْه قبيل حرب عام 2014 عندما حمّلت حركة حماس المسؤولية عن خطْف وقتْل ثلاثة مستوطِنين في جنوب الضفة، وانتهى الحدث بشنّ حرب الخمسين يوماً». ويستدرك محمد بأن «الواقع اليوم أكثر تعقيداً، لأن الاحتلال جهّز فعلياً قائمة اغتيالات لقيادات في غزة يدّعي أنها مسؤولة عن قيادة وتمويل وتخطيط المقاومة في الضفة، لذا، فإذا كان العدو يعتقد أن إجهاض الحالة هناك، يستدعي القضاء على هذه القيادات، فإنه ليس من المستبعد أن تعود سياسة الاغتيالات إلى الواجهة».
بدوره، يرى المحلّل السياسي، أيمن الرفاتي، أن العودة إلى الاغتيالات الصاخبة قد تقوّض مساعي «شراء الهدوء بالمكتسبات المعيشية»، والتي تعتقد القيادة الإسرائيلية أنها نجحت عبرها في تحييد القطاع، على الأقلّ مؤقتّاً. «وعليه، فإن اللجوء إلى الاغتيالات الأمنية، التي تستطيع إسرائيل أن تغسل يدها من المسؤولية عنها، يبقى الخيار المرجّح في المرحلة الحالية»، وفق ما يعتقد الرفاتي، مستدركاً، في حديث إلى «الأخبار»، بأن «كِلا الأسلوبين سيضعان المقاومة في موقف الحاجة إلى الردّ، ليس للانتقام فقط، إنّما لفرض معادلة تقطع الطريق أمام استنزاف المقدّرات البشرية للمقاومة، ولا شكّ في أن ذلك بحاجة إلى ثمن، ولذا قد يكون التصعيد الموسَّع أكثر السيناريوات واقعية وتفاؤلاً».