غزة | ضمن سلسلة القرارات الأخيرة للسلطة الفلسطينية عقب إعلانها وقف التنسيق المدني والأمني مع العدو الإسرائيلي، رغم الحديث الإسرائيلي عن استمرار الشقّ الأمني كما هو، قررت السلطة وقف التحويلات الطبية من غزة إلى المستشفيات الإسرائيلية التي كانت تصل إليها الحالات الحرجة أو التي لا يمكن علاجها في القطاع. قرار يطرح سؤالاً عن البديل الذي تحدث عنه رئيس الحكومة في رام الله، محمد اشتية، عندما قال قبل أيام، إنه يجري العمل على خطة خاصة للتعامل مع غزة كي يعالج مرضاها داخلها في مستشفى خاص لمرضى السرطان، كونه المرض الأكثر إلحاحاً في التحويلات، واسمه مستشفى «الحياة التخصّصي».

الخطوة الفلسطينية حملت عنوان الرد على نية العدو ضمّ أكثر من 130 مستوطنة في الضفة المحتلة وغور الأردن إلى فلسطين المحتلة عام 1948 (تمثل أكثر من 30% من مساحة الضفة، في خطوة أولى) بعد نحو شهر من الآن. مع ذلك، ثمة حديث عن أن وقف التحويلات له علاقة بتخفيض الفاتورة الاستشفائية الخاصة بغزة من نفقات السلطة وليست له علاقة بوقف التنسيق المدني مع الاحتلال، إذ تكشف مصادر في «دائرة العلاج بالخارج» أن تكلفة التحويلات الطبية تصل إلى نحو 120 مليون دولار سنوياً.
يقول مدير «الحياة» المتخصّص بعلاج الأورام (غير حكومي)، الدكتور رفيق الزنط، إن المستشفى أُنشئ قبل ثلاث سنوات على أن تكون فيه أجهزة قسطرة ودعامات للقلب، ثم تطورت الفكرة لإقامة مستشفى تخصّصي على مساحة سبعة دونمات وارتفاع سبعة طوابق ليضم أقساماً أخرى منها العمليات. ويضيف في حديث إلى «الأخبار»: «أُنشئ قسم الأورام في أبريل (نيسان) 2019 بناءً على طلب من وزير الصحة جواد عواد»، والهدف هو «التسهيل على فئة كبيرة من المرضى وذويهم الذين يصطدمون بما يُسمى المنع الأمني ويُحرمون العلاج في القدس أو الضفة أو فلسطين المحتلة».

هناك من يشكّك في كون الخطوة مرتبطة بوقف التنسيق مع العدو


يؤكد الزنط أن قسم الأورام «تم تجهيزه وفق المواصفات العالمية، وبدأ تفعيله مع جائحة كورونا التي منعت إمكانية خروج المرضى من القطاع»، مشيراً إلى بدء التعاقد مع وزارة الصحة في رام الله لمعالجة المرضى الذين يُقدر عددهم بخمسمئة شهرياً. ويقول: «لا مشكلة في توفير الأدوية سواء من الجانب الإسرائيلي أو من الشركات خارج فلسطين، وهو ما يوفر الوقت والجهد والمال على المريض ويسهل على الممنوعين أمنياً»، لافتاً إلى أن «الحياة» وحده يستقبل يومياً حالات متزايدة بمرض السرطان، ما بين 30 إلى 50.
ونسبة الإصابة بهذا المرض في القطاع وصلت إلى 90 حالة لكل 100 ألف سنوياً، أي 1800 حالة سنوياً، وفقاً لأحدث إحصائية لدى وزارة الصحة. وتعود أسباب الزيادة وفقاً لمصادر رسمية إلى «الملوّثات الكثيرة بعد تعرض القطاع لثلاث حروب تركت الكثير من المواد السامة في التربة والمياه الجوفية، ما له انعكاسات على الخُضر والفواكه فضلاً عن الاستعمال المفرط للمبيدات الزراعية». وهناك مستشفيان آخران في غزة يتعاملان مع المصابين بالسرطان هما «الأوروبي» و«الرنتيسي»، فيما توفر الوزارة الأدوية لهذين المستشفيين.
يقول رئيس «مركز علاج الأورام في غزة» التابع للوزارة، خالد ثابت، لـ«الأخبار»، إن «الحياة» مجهّز «تجهيزاً كاملاً لإعطاء جميع أنواع العلاج الكيمياوي والبيولوجي والمناعي على يد طاقم ذي خبرة»، مشيراً إلى وجود ستة استشاريين للأورام والدم وأربعة اختصاصيين آخرين بجانب طاقم آخر من 12 استشارياً كلهم يعملون في مجال الأورام، في الوقت الذي تتابع فيه الحالات وفق البروتوكولات المعتمدة دولياً ولا سيما الأميركي. ويبدي ثابت تفاؤلاً كبيراً تجاه القسم الجديد بقوله إن «جميع الأدوية متوفرة بل لدينا أفضل مما كان يتلقاه المريض في الضفة أو القدس... المستشفى يُعد بديلاً داخل غزة».
تمثل نسبة مرضى السرطان من مجموع التحويلات خارج غزة 30% إلى 40% وفقاً للدكتور مازن الهندي، وهو مدير «دائرة العلاج بالخارج»، قائلاً إن هدف الوزارة حالياً «توطين الخدمة في مستشفيات فلسطينية سواء الضفة أو غزة، على أن تكون الحالات الباقية داخل الخط الأخضر (فلسطين المحتلة) عبر التنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهنا نتحدث عن مرضى زراعة النخاع وعلاج السرطان بالمسح الذري»، علماً أنه يمكن تحويلهم إلى مصر أو الأردن كخيار بديل لو أتيح للمريض السفر.
أما عن موقف «حكومة غزة» من هذا التطور، فيعبر عن جزء منه العضو في المجلس التشريعي عن حركة «حماس» يحيى موسى، الذي قال إن «أي خطوة مرتبطة بالفصل عن الاحتلال والتخلص من إرث أوسلو هو مطلبنا القديم لكن ينبغي للسلطة أن تفهم أن هذا الخروج يحتاج إلى رؤية وطنية واتفاق مجمع عليه في هذا الموضوع». ويستدرك موسى: «الخطوات التي تقوم بها السلطة ناقصة لأنها لا تأتي ضمن استراتيجية واضحة، ولذلك نطالب بانعقاد الإطار القيادي المؤقت لوضع رؤية يعاد فيها الاعتبار إلى منظمة التحرير لإعادة تشكيلها وإدارة ما يتعلق بالشأن العام الفلسطيني بطريقة ثورية تحفظ الحقوق».