إن لم تواجه الحكومة الإسرائيلية عقبات قضائية وانطلقت كما هو متفق عليه بين زعيمي «الليكود» و«أزرق أبيض»، بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، يبدو أن عملية الضم للضفة المحتلة ستنطلق أيضاً، إذا لم يكن في تموز/يوليو المقبل، ففي الشهر اللاحق له أو الذي بعده. يأتي ذلك بعدما كان غانتس قد وضع الأمر كلياً بيد نتنياهو، وروَّج لتبرير تنازله عما كان يرفعه من شعارات بأن إدارة البيت الأبيض لن تقبل تنفيذ الضم الآن، مع الإشارة إلى أن مخطط دونالد ترامب يتضمن موافقة على ضم أكثر من 30% من الضفة، علماً بأن اللجنة الأميركية ــ الإسرائيلية المكلفة برسمَ خرائط الضم تواصل عملها كما هو مقرر، فضلاً عن أن ترامب ازدادت حاجته إلى دعم المحافظين الجدد والإنجليكانيين بصورة كبيرة بعد تراجع شعبيته وسط الظروف الحالية، وهو ما سيجعله أكثر تمسكاً بالضم. فما سيناريوات الضم وأي مساحة سيشملها؟ وهل لتوقيته تأثير في تنفيذه، وماذا عن تقديرات العدو لردود الفعل؟

في ضوء التحدي القضائي الذي سيُحدِّد مصير الاتفاق الائتلافي ومستقبل نتنياهو، ربما لا يزال هناك من يراهن في الساحة الفلسطينية على ألا تسمح «المحكمة العليا» لنتنياهو بترؤس الحكومة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى قطع الطريق على عملية الضم المقررة وفق الاتفاق بين نتنياهو وغانتس. في هذا المجال، ينتظر الأطراف كافة قرار المحكمة الحاسم بشأن شرعية ترؤس نتنياهو المتهم رسمياً بالفساد، وثانياً دستورية وقانونية البنود الرئيسية في الاتفاق بين الطرفين، لمناقضة بعضها القوانين الأساسية، ولأثرها الهدام في نظام الحكم. وفي المقابل، عمد نتنياهو إلى حملة مضادة تهدف إلى التهويل على «العليا»، ومن ضمنها الحملة التي تُشن على المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، الذي عيّنه نتنياهو بنفسه، إذ يتهمه الآن بأنه يسعى إلى «انقلاب قضائي» وإبعاده عن منصبه «خلافاً لقرار الناخب الإسرائيلي»، وهي حملة يخشى مراقبون أن تكون نافذة وفعالة، فيمتنع قضاة المحكمة عن الحكم ضده وضد الاتفاق ككل. كما يحاول نتنياهو أن يضع المحكمة في مواجهة قرار الجمهور، كأنها تصادر قراره في اختيار قادته. وهو نجح في وضعها أمام خيارين: قبوله رئيساً للحكومة، أو التسبب في انتخابات رابعة خلال نحو سنة.
في حال انطلقت الحكومة، يُتوقع أن ينطلق معها مسار الضم، ولكن حتى الآن هناك تصورات متعددة بشأن سيناريو فرض السيادة الإسرائيلية، ولكل منها من يدعو إليها. ترى دراسة صادرة عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب أن هناك من يدعو إلى «ضم أراضي المستوطنات فقط»، على أن تشمل «المنطقة المبنية ومحيطها القريب التي تشكل أقل من 4% من أراضي الضفة»، وآخرون «يدعون إلى أن يُرفق معها الأراضي التي تدخل ضمن نطاق اختصاص السلطة القانونية للمستوطنات (قرابة 10% من الأراضي)». هناك من يدعو أيضاً إلى «ضم الكتل التي تشكل موضع إجماع واسع بين الجمهور في إسرائيل، وتقع غالبيتها غربي خط حدود العائق الأمني (نحو 10% من الأراضي)». أيضاً يوجد سيناريو لضم غور الأردن (نحو 17% من الأراضي). وصولاً إلى ضم المنطقة «ج» كلها (نحو 60% من الأراضي)، من دون إغفال أن يقتصر الضم على ما تضمنه مخطط ترامب، وهي الأراضي التي تشكل نصف «ج» التي تشكل 30% من أراضي الضفة (17% في غور الأردن، 3% أراضي المستوطنات، 10% كتل المستوطنات ومحاور التنقل). وفي المقابل، تعطي إسرائيل لرام الله النصف الباقي من «ج» إضافة إلى جنوب جبل الخليل، ومنطقتين في النقب تُضمّان إلى قطاع غزة.

يراهن كثيرون على أن تعيق «العليا» تأليف الحكومة الإسرائيلية ومن ثمّ «الضم»


كما هو مفصل وموضح في «صفقة القرن»، وافقت إدارة ترامب للمرة الأولى على المطالب الإسرائيلية لضم كل المستوطنات وأراضي الكتل الاستيطانية وغور الأردن، وحتى الهضاب المطلة على غرب غور الأردن. لكن السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، قال إن إسرائيل ستنتظر انتهاء عمل «اللجنة الثلاثية» (3 مندوبين أميركيين و3 إسرائيليين) التي ستلائم الخريطة المقترحة مع الواقع على الأرض كي تصبح قابلة للتطبيق. حينئذ، تعترف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على المناطق غير المخصصة للدولة الفلسطينية. وأمس، نقل موقع «تايمز أوف إسرائيل» عن متحدث باسم الخارجية الأميركية أن بلاده «مستعدة للاعتراف بضم إسرائيل أجزاء من الضفة، لكنها طلبت من الحكومة الإسرائيلية التفاوض أيضاً مع الفلسطينيين»، مضيفاً: «نحن على استعداد للاعتراف بالإجراءات الإسرائيلية لتوسيع السيادة وتطبيق القانون على مناطق الضفة التي تتوقع الرؤية اعتبارها جزءاً من دولة إسرائيل»، لكن هذه الخطوة ستكون «في سياق موافقة إسرائيل على التفاوض مع الفلسطينيين على النحو المحدد في رؤية ترامب».
مع ذلك، تبقى قضية توقيت الضم وتأثرها بالتطورات على المستوى الدولي والإقليمي. في هذا المجال، يوجد من يقارب القضية من زاوية دولية، فيرى أن زعماء الدول كلهم مشغولون بمواجهة كورونا في الساحات الداخلية في دولهم، والولايات المتحدة مشغولة بصراعات قوة داخلية قبيل الانتخابات الرئاسية التي ستجري في تشرين الثاني/نوفمبر، ويمكن أن تسفر عن خسارة ترامب الذي يحاول أيضاً أن يترك بصمته على التاريخ. ولذلك هو يسعى إلى إرضاء القاعدة الأساسية لمؤيديه ــ الجمهور اليميني الإنجيلي ــ المتحمسين لفكرة ضم إسرائيل مناطق «الأرض المقدسة».
من الزاوية الداخلية الإسرائيلية، يرى معسكر اليمين أن «الوقت الحالي فرصة ذهبية لفرض سيادة إسرائيلية لم تكن موجودة في الماضي على مناطق في الضفة، وهي لن تتكرر في المستقبل القريب، خصوصاً إذا جرى انتخاب رئيس ديموقراطي في الولايات المتحدة»، وأن هذا الإحساس بوجود فرصة «يشارك فيه نتنياهو الذي يسعى أيضاً إلى أن يبقى التطبيق (الجزئي على الأقل) للسيادة الإسرائيلية على الضفة (أي الضم الجزئي) كجزء من إرثه القومي ــ الاستراتيجي». مع ذلك، يسود كيان العدو نوعان من التقديرات: الأول يقول إنه لن يحدث شيء دراماتيكي، مثلما لم تحدث «هزة أرضية» بعد نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والثاني ينظر بجدية إلى التهديدات. وحول ذلك توجد مروحة سيناريوات تبدأ بتحركات شعبية وصولاً إلى نهاية مرحلة التنسيق الأمني بين إسرائيل والأجهزة الأمنية للسلطة، مع إلحاق ضرر شديد بعلاقات التسوية ووقوف المجتمع الدولي ضد إسرائيل، وحتى إلى حد فرض عقوبات ومقاطعة لها.
هكذا، يتضح أن الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية يواجهان تحدياً مفصلياً في هذا المجال. وبغض النظر هل سيجري ضم واسع أم جزئي، مرة واحدة أو على دفعات، فإن الواضح أن الرد الذي يستند إلى تغيير قواعد الصراع على الساحة الفلسطينية هو القادر على قلب الأوراق وإرباك هذا المسار التوسعي، وهو خيار بات أكثر من ضرورة مُلحة، وليس مجرد خيار. إذا ما تجاوزنا الظروف المستجدة في الداخل الفلسطيني والإقليمي، وما قد تتركه من مفاعيل ظرفية، تُثبت التحولات التي مر بها الصراع مع العدو في العقود الأخيرة أن كلمة الفصل تبقى للشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة.