غزة | اتخذت حركة «حماس» بالشراكة مع عدد من الفصائل الفلسطينية قراراً بتبني التوجهات الشبابية التي دعت عام 2011 إلى تنظيم مسيرات بالقرب من الحدود الفاصلة بين غزة وفلسطين المحتلة. هذا التبني، الذي جاء في ربيع 2018، وضع «كسر الحصار» على جدول أهداف المسيرات، وجرى بناءً عليه إنشاء «الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار». لكن استمرار التظاهر على الحدود لم يكن كافياً للضغط على العدو الإسرائيلي، ليبتكر المتظاهرون أساليب منها ما سبق أن استُخدمت في الانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000) مضيفين إليها أدوات جديدة عُرفت جميعها بـ«الأدوات الخشنة». بداية هذه الأدوات كانت إشعال الإطارات وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، لكن سرعان ما انتقل الشبان إلى استعمال طائرات ورقية تُعلّق بها فتائل مشتعلة تطلق باتجاه الأراضي الزراعية في الجانب المحتل، ما يتسبب في حرق المزروعات ولا سيما القمح. استخدمت هذه الطائرات في الأيام الأولى للمسيرات، وتصاعدت حتى مثّلت تحدياً للعدو الذي اعتبره «عملاً إرهابياً»، وفق القناة الإسرائيلية الثانية، نهاية أيار/ مايو 2018. القناة أوردت إحصاءات قالت فيها إن عدد الطائرات الورقية التي أطلقت من نهاية آذار/ مارس 2018 إلى نهاية أيار/ مايو من العام نفسه بلغ 300، ما خلّف خسائر وصلت إلى ملايين الشواكل.

إثر ذلك، عملت حكومة العدو على تعويض المزارعين الإسرائيليين لكن ليس من خزينتها، وإنما استقطعت من أموال الضرائب الفلسطينية التي تُحصلها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية، وذلك بعد إقرار الجيش عجزه عن إنهاء هذه الظاهرة، حتى لما استعان بطائرات مسيّرة كانت تحمل كاميرات وأدوات حادة لاعتراض الطائرات الورقية. بالموازاة، عمل الفلسطينيون على توسيع المساحات الزراعية المستهدفة، وسريعاً انتقلوا من هذه الطائرات إلى «البالونات الحارقة» القائمة على تعبئة البالونات بغاز الهيليوم وربطها بفتائل مشتعلة أو مفرقعات أو قنابل صوتية، وهو ما كان أكثر جدوى لجهة المسافة، إذ وجدت بالونات على بعد 60 كلم من القطاع. وكان الفلسطينيون محظوظين في أن حركة الرياح تتجه شرقاً، علماً أن أحد الإسرائيليين حاول استعمال الفكرة نفسها لكن محاولته أخفقت بعدما أعادت الرياح طائرته إلى المزروعات الإسرائيلية لتحرقها. ومع العجز التقني عن مواجهة الطائرات والبالونات المذكورة، انتقل العدو إلى العمل الميداني باستهداف المجموعات الشبابية التي كانت تطلق «الأدوات الخشنة» أو تستعد للإطلاق، ما أسفر عن شهداء وإصابات، لكن ذلك لم يوقفهم، ما دفع الاحتلال في مراحل متقدمة إلى الرد على البالونات بقصف المواقع العسكرية التابعة للمقاومة، وهو أسلوب الرد نفسه الذي كان ينتهجه عندما تُطلق صواريخ من غزة.

منحت هذه الأدوات للفصائل ورقة قوة على طاولة المفاوضات مع الوسطاء


بالتزامن، واصل الشبان مشاغلة جنود العدو على الخط الفاصل، حيث عمدوا إلى تخريب السياج وقصّه، وأيضاً التسلل لتخريب الأدوات والآليات المستخدمة في بناء العائق الأرضي، ولم يكن هذا الفعل مرتبطاً بعصر الجمعة الذي يشهد المسيرة المركزية في خمسة تجمعات رئيسية، بل في أي وقت من الأسبوع، ما جعل الجنود مشغولين بالمراقبة طوال اليوم، خاصة أن هذه الاختراقات تحدث في وضح النهار طوال أشهر ربيع وصيف 2018. كما استحدث أسلوب «الإرباك الليلي» خريف العام نفسه، بعد أن خفت وتيرة الحر الذي كان مساعداً في إحراق المحاصيل الزراعية لمستوطنات «غلاف غزة». في «الإرباك الليلي»، يقول أحد منظمي المسيرات إن هذا الأسلوب يؤدي إلى استنفار قوات الاحتلال جراء إشعال إطارات السيارات، وقصّ السلك الشائك واقتحامه، إضافة إلى إطلاق زجاجات حارقة على ثكنات الجنود، كما تشعل المجموعات صفارات إنذار عبر مكبّرات صوت ضخمة، وذلك في وقت واحد من رفح جنوباً حتى بيت حانون شمالاً.
أثّرت مجموعات «الإرباك الليلي» في حياة الإسرائيليين في «غلاف غزة» جيشاً ومزارعين ومستوطنين، ما دفع المتحدثة باسم «المجلس المحلي الإسرائيلي في كيرم شالوم»، روني كيسين، للقول إن «التظاهرات الليلية تشكل كابوساً... وتعتبر سلاحاً». مع مرور الوقت صار العمل في «الأدوات الخشنة» أكثر تنظيماً وظهرت وحدات بأسماء «أبناء الزواري» و«سواعد الانتفاضة»، بجانب وحدة «السواتر الرملية» التي عملت على تعبئة أكياس الرمل ووضعها في مناطق المواجهة ليحتمي بها المتظاهرون. هذه الوحدات إن كانت جميعها استقطبت شباباً بغضّ النظر عن انتمائهم الحزبي والتزامهم الديني، فإن بعضهم كـ«سواعد الانتفاضة» لا تخفي أن «الجهاد الإسلامي» هي من ترعاها، فيما لم تُظهر «حماس» رعايتها أياً من تلك الوحدات، برغم أن «أبناء الزواري» اختارت اسمها نسبة إلى مهندس الطيران التونسي الشهيد محمد الزواري الذي عمل في صفوف «كتائب القسام»، الذي اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في مدينة صفاقس.
مع أن تلك الوحدات رفضت أكثر من مرة إيقاف نشاطاتها بالتزامن مع وصول وفود الوسطاء إلى غزة، فإن هذا الرفض لم يكن يطول، إذ كانت تلتزم ما يصدر عن «الهيئة الوطنية» التي صار في مرحلة لاحقة من يحدد مواعيد عمل «الأدوات الخشنة» بناءً على التقدم في مفاوضات كسر الحصار عبر تلك الوفود المصرية والقطرية والأممية. هكذا، مرت هذه الأدوات بمسار «مسيرات العودة» من طرح شبابي إلى تبنٍّ فصائلي، وهو ما أكسب «حماس» ورقة ضغط على طاولة المفاوضات، ضمن تفاهمات غير مكتوبة ولا معلنة بوضوح من الطرفين، وتحديداً في عام 2018. لكن ما يعيشه القطاع منذ ذلك التاريخ حتى اليوم هو مجرد مساعدات قطرية على الصعيد الإنساني والإغاثي والخدماتي مقابل التوقف عن «الأدوات الخشنة». وعندما تتأخر المساعدات أو عند الحاجة إلى تجديدها، تعود البالونات الحارقة والمتفجرة مع التهديد بعودة «الإرباك الليلي»، في معادلة مستمرة حتى الآن، رغم توقف المسيرات منذ مطلع العام الجاري، الأمر الذي رأى فيه محللون اكتفاء لدى «حماس» والفصائل بـ«التحسينات» كمكسب من «مسيرات العودة»، ما دفعهم إلى إنهاء هذه الوسيلة النضالية التي امتدت لعام ونصف عام بما قُدم فيها من تضحيات وصلت إلى 317 شهيداً وأكثر من 35 ألف جريح منهم ألفان بإعاقات دائمة، الأمر الذي أثار تساؤلات عن الجدوى خاصة أن أعداد الشهداء والجرحى غير متكافئة مع المكسب الذي تحقق، فضلاً عن أنه مؤقت وغير مضمون. كما يرى آخرون أن الواقع الذي أفضت إليه «مسيرات العودة» لا يختلف في النتيجة كثيراً عن حصاد انتفاضات وهبّات سابقة بسبب التسييس الذي ينتهي بها إلى حوائط مسدودة، مع أن الرأي المقابل يؤكد مبدأ أنه لا اعتبار للأرقام ما دام العمل كفاحاً.