رام الله | «موقف الأطباء في هذا الوقت حقير». ذلك ما يراه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في إضراب «نقابة الأطباء»، التي أغضبها كلامه ودفعها إلى تصعيد فعالياتها داخل مستشفيات تعمل بإمكانات شحيحة وكوادر غير كافية. وتعود الأزمة بين النقابة من جهة والرئاسة والحكومة من جهة أخرى إلى عام 2013، عندما طالبت الأولى (بقيادة جواد عواد آنذاك) برفع العلاوة الممنوحة للأطباء الحكوميين، أسوة بالعاملين في وزارات مختلفة (تتفاوت العلاوة من قطاع إلى آخر). وفي أيار/ مايو من العام نفسه، أثمرت جهود النقابة مضاعفة العلاوة لتصبح 200% رسمياً للأطباء الاختصاصيين، و150% للأطباء العامين، الذين يطالبون اليوم بالـ 50% المنقوصة. لاحقاً، انتقل النقيب عواد إلى الحكومة وزيراً للصحة، وحلّ مكانه نظام نجيب، لتدخل المسألة دائرة المماطلة.

«النقيبان السابقان خاضا إضرابات شكلية، وداهنا الحكومة والرئاسة، لأنهما محسوبان على حركة فتح وتيار السلطة، فمع أيّ وعد حكومي كان ينتهي الإضراب»، يقول أحد الأطباء. ثمّ في آذار/ مارس من العام الماضي، شهدت النقابة تحوّلاً مفاجئاً، بعدما خسرت كتلة «فتح» الانتخابات في المناطق كافة، مقابل صعود كبير لكتلة شوقي صبحة التي تضمّ محسوبين على «حماس» ومستقلين. وعلى إثر ذلك، انتُخب صبحة نقيباً، ليعود ويطالب بإقرار العلاوة المنقوصة للأطباء العامّين. وتفيد معلومات «الأخبار» بأن عدد الأطباء العامين في الضفة هو ما بين 800 - 1000، يعملون بمعدّل عشر مناوبات شهرية، إضافة إلى دوام صباحي (ما مجموعه 310 ساعات عمل شهرياً على أقلّ تقدير)، في حين أن ما يطلبونه من الحكومة لا يتجاوز مجموعه 800 ألف شيكل شهرياً (231 ألف دولار أميركي) كمعدّل زيادة، وهي القيمة التي يصفها النقيب بأنها «لا تتجاوز تحويل مريض من وزارة الصحة إلى مستشفيات الخارج».
في المقابل، تقرّ مصادر في السلطة بأن الأخيرة قرّرت «شنّ حرب» على إضراب الأطباء ونقابتهم، وهو ما يجري فعلياً عبر «تلفزيون فلسطين» الرسمي وعدد كبير من صفحات التواصل الاجتماعي التي يديرها أمن السلطة تحت ستار إخباري، وهي أكثر من 12 صفحة معظم أسمائها تنتهي بكلمة «الحدث». وتقوم الدعاية المضادّة على شيطنة الأطباء، ووصفهم بـ«غير الإنسانيين ولا يكترثون للمرضى ويطالبون بعلاوة». أما رفض «أقاليم فتح» لإضراب الأطباء، فيتعلّق بالخلفية السياسية التي جاء منها أعضاء النقابة. وقد عزّز رفضهم موقف عباس في الأول من الشهر الجاري، عندما اجتمع معهم وقال إنه لا يكاد يستطيع أصلاً توفير راتب أساسي لِمَن يطالبون بالعلاوة، مضيفاً: «بعرف إني على الهوا... هذا موقف حقير، لا أخلاقي، غير مسؤول، غير إنساني، شو بدكم كمان أسبّ، سبّيت». وربط أبو مازن موقفه بأن الوقت «غير مناسب بسبب صفقة القرن والحصار المالي المفروض على الرئاسة والحكومة، إضافة إلى فيروس كورونا المستجدّ»، مشيراً إلى أنه جلس مع الأطباء واتفق معهم على وقف الإضراب، لكنهم استمرّوا في الاحتجاج.

وصف أبو مازن الإضراب بأنه «موقف حقير» في ظلّ «صفقة القرن» و«كورونا»


نقيب الأطباء، صبحة، اتّهم، من جهته، مستشاري رئاسة السلطة والحكومة بأنهم أرسلوا إلى عباس تقديراً غير دقيق. وقال في تصريح صحافي: «عندما ذهبنا للرئيس لم نكن مضربين لِنَعده بوقف الإضراب، لكنه منح النقابة والحكومة شهراً لحلّ الأزمة، والحكومة لم تجلس معنا نهائياً». ومع أن الوزير السابق، أحمد مجدلاني، الذي عرّف عن نفسه بأنه ممثل الرئاسة والحكومة معاً في الحديث مع النقابة، اتفق معها على البنود كافة قبل أن تتمّ صياغتها قانونياً، فإن الحكومة رفضت التوقيع. كما استغرب صبحة اتهام الأطباء بأنهم يطالبون بعلاوة مضاعفة جديدة بـ 200%. وعقب خطاب عباس، أعلن نحو 2000 طبيب الاعتصام أمام نقابتهم في رام الله، حيث ارتدوا لباسهم الأبيض ثم مزّقوا نسخاً عن شهادات مزاولتهم مهنة الطب، فيما دخلت «نقابة الأطباء» في غزة على الخطّ، وطالبت رئيس السلطة «بالاعتذار عما صدر عنه من ألفاظ وشتائم بحق الأطباء». وكان ملاحظاً، وفق إفادات المرضى، أن «نقابة الأطباء» لم تهمل حق المرضى في العلاج خلال الإضراب، بل أفسحت المجال لمتابعة حالات الاشتباه بفيروس كورونا، كما استثنت أقسام الطوارئ والعيادات الحساسة. ويفيد مصدر بأن النقابة أبدت مرونة كبيرة خلال الساعات الماضية، إذ صارت تطالب «ليس بصرف علاوة طبيعة العمل المنقوصة فوراً، بل إقرار هذه العلاوة على قسيمة الراتب الشهرية فقط مراعاة للوضع المالي الحكومي، شريطة صرفها في حال توفر الأموال».
من جهة أخرى، تغافلت السلطة عن مطالبة النقابة بزيادة عدد الكوادر في المستشفيات والعيادات الحكومية وكذلك عدد الأسرّة، علماً بأنه في قلقيلية (شمال) مثلاً، هناك مستشفى حكومي واحد مخصّص لنحو نصف مليون فلسطيني يخدم فيه أربعة أطباء فقط، فيما لا توجد مستشفيات خاصة في المحافظة. ومن مطالب النقابة أيضاً معالجة ملف الأخطاء الطبية، التي يحمّل قانون السلطة الجديد «الطبيب التكاليف والتعويضات المترتبة» عليها. وبينما ترى الحكومة ضرورة وقف الطبيب عن العمل فوراً في هذه الحالة، وزجّه في السجن إلى حين صدور قرار المحكمة، يصف الأطباء ونقابتهم تلك الآلية بأنها «مجحفة وغير معقولة». وعن مسار الأمور في المرحلة المقبلة، تلفت مصادر الأطباء إلى أن نقاشات داخلية جرت في النقابة وفروعها حول الاستنكاف عن العمل أو الاستقالات الجماعية كورقة ضغطٍ أخيرة، على أن يبدأ تنفيذ هذه الخطوات التصعيدية في غضون أسبوع إذا استمرّت السلطة في أسلوبها، موضحة أن «الأطباء كافة سيتركون دوامهم الرسمي، على أن تُشكَّل لجنة في كلّ مستشفى تتعامل تطوعاً مع الحالات المرضية، لكن بلا تسجيل حضور دوام رسمي، أو سنستعمل الإجازات الجماعية التي يتيحها القانون». والجدير ذكره أن «الأطباء» تمثل أحد أبرز التجمّعات النقابية المتماسكة، وهي تمتلك قرارها المستقل وتمارس عملها المفترض بها القيام به، مقارنة بنقابات صارت تسبح في فلك الحكومة.



خلفيات غضب «أبو مازن»
تقول مصادر سياسية قريبة من رئاسة السلطة إن محمود عباس غاضب لأسباب عدة، أولها «نتائج الانتخابات الإسرائيلية وفوز اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو». وتلفت المصادر إلى أن عباس وفريقه كانا يتابعان الانتخابات أولاً بأول، ومع خروج أولى النتائح غير الرسمية، والتي بيّنت أنه ينقص نتنياهو مقعدٌ واحد فقط لتشكيل الحكومة، «انتاب التوتر والعصبية الشديدان أبو مازن، الذي صار يدخّن بشراهة، وخاصة أن آماله بالعودة إلى المفاوضات تَبخّرت مع هزيمة بيني غانتس». أما السبب الثاني، فهو زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، للعاصمة الروسية موسكو، والتي افتتحها بلقاء وزير الخارجية سيرغي لافروف، وممثل الرئيس فلاديمير بوتين، وما تلا ذلك من حملة إعلامية لتغطية الزيارة أثبتت أن جهود السلطة لإحباط جولة هنيّة الخارجية لم تنجح.