تَسبّب التنافس السياسي والانتخابي في إسرائيل في الكشف عن زيارة سرّية لرئيس جهاز «الموساد»، يوسي كوهين، إلى قطر، مطلع الشهر الجاري، إذ إن من تولّى ذلك لم يكن إلا وزير الأمن الأسبق، أفيغدور ليبرمان، الذي بادر إلى هذه الخطوة على مسافة أيام من الانتخابات العامة، وهو ما أدّى إلى تبادل اتهامات بينه وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية إسرائيل كاتس. وفي مقابلة مع «القناة الـ12» في التلفزيون الإسرائيلي، قدّم ليبرمان زيارة كوهين على أنها «توسّل» للقطريين للاستمرار في دعمهم غزة مالياً، بعدما أعلنت الدوحة وقف هذا الدعم بدءاً من نهاية الشهر المقبل. ولذا، وصف رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» خطوة نتنياهو بأنها تعبّر عن «رضوخه للإرهاب»، وبرّر مخالفته قرار حظر النشر الذي فرضته السلطات الإسرائيلية على الزيارة بكون القرار «استخداماً للرقابة بشكل فجّ وسياسي، هدفه التستّر على الخضوع للإرهاب، وشراء الهدوء إلى حين الانتخابات، مع التخلّي عن أمن السكان والجنود على المدى الطويل، وعن مواطنينا وجنودنا الموجودين في أسر (حركة) حماس»، قائلاً إن «لدى نتنياهو كلّ شيء سياسي، والأمن وسيلة لأغراضه الشخصية».

في البعد الداخلي، تُثبت خطوة ليبرمان أن الزعماء الإسرائيليين لا يكاد يوفر بعضهم وسيلة ضدّ البعض الآخر إلا ويستخدمها، حتى ولو تعارض ذلك مع ما يُفترض أنه «مصالح الدولة». وهو ما لا يُعدّ جديداً على الساحة السياسية الإسرائيلية، إذ سبق في أكثر من محطة أن تعارضت المواقف على خلفية التنافس السياسي والانتخابي، وتحديداً في الشؤون المتصلة بالقضية الفلسطينية. ولعلّ هذا هو ما أشار إليه ليبرمان في ردّه على الاتهامات المُوجّهة إليه، عندما قال: «لا توجد شخصية سَرّبت معلومات أمنية لأغراض سياسية أكثر من نتنياهو، من وثيقة تاوبر، إلى طريقة العرض في جلسة الكابنيت خلال عملية الجرف الصلب (حرب 2014 على غزة)، وصولاً إلى إلغاء سياسة الغموض المعتمدة منذ قيام الدولة». لكن ما تقدّم لا ينفي أن ثمة خطوطاً حمراً لا يمكن تجاوزها ضمن مساحة الإجماع التي تتّصل بقضايا الأمن القومي.

لن يكون مفاجئاً الكشف لاحقاً عن تنسيق بين الرياض وتل أبيب عبر كوهين


من جهة أخرى، يسلّط فضح الزيارة الضوء على ما يجري بعيداً عن الإعلام بين الدول الخليجية وإسرائيل من نسجِ متسارع لعلاقات تطبيعية. كما يؤكد أن ما يتباهى به نتنياهو في هذا الإطار يستند إلى وقائع فعلية، وإن كانت الأطراف العرب المُطبّعون يحرصون على إخفائه. نموذج من ذلك ما يقول به النظام السعودي الذي لا يزال يتحاشى تظهير العلاقات مع العدو، لكن مواقفه في ما يتّصل بالقضايا الإقليمية، ومدى تطابقها مع الأولويات والسياسات الإسرائيلية، إضافة إلى التلميحات التي تصدر عن نتنياهو في شأن الرياض، كلّها تؤشر إلى المدى البعيد الذي قطعه التنسيق بين الطرفين، والذي لن يكون مفاجئاً الكشف عنه لاحقاً، علماً بأن كوهين تحديداً هو مَن يتولى إدارة العلاقات مع الدول التي لا توجد علاقات رسمية بينها وبين إسرائيل.
من جهة ثالثة، وفي ما يتعلّق بحدود الضغط الإسرائيلي على غزة، قدّم ليبرمان، نتنياهو، كَمَن يحاول شراء الهدوء مع القطاع، ولو عبر سعيه إلى منع حدوث انهيار تامّ هناك، وهو ما أراد ليبرمان تسليط الضوء عليه لكونه يظهر إسرائيل كـ«دولة مردوعة» في ظلّ قيادة نتنياهو وسياساته. وتظهر زيارة رئيس «الموساد» إلى قطر الأداء «الدقيق» لحكومة نتنياهو إزاء غزة، ومخاوفها من أن تؤدّي سياسة الخنق إلى تدهور كبير ينعكس على الداخل الإسرائيلي. وانطلاقاً من تلك الاعتبارات، عبّر نتنياهو عن دهشته ممّا وصفه «مسّاً بأمن الدولة لأغراض سياسية» من قِبَل ليبرمان، ورأى أن «هذا الشخص قرّر أن يفعل كلّ شيء من أجل إسقاطي والليكود من الحكم». وفي الإطار نفسه أتى انتقاد وزير الخارجية، الذي اعتبر أن كلام وزير الأمن الأسبق يعبّر عن «استهتاره بمصالح إسرائيل»، مُذكّراً بأن الاتصالات مع الدوحة جرت أيضاً عندما كان ليبرمان وزير أمن، وفي أمور «أكثر عمقاً لها علاقة بالفلسطينيين لا أستطيع أن أفصّلها». وبرّر كاتس إخفاء الزيارة بأنه لم تكن هناك حاجة إلى الإعلان عن سفر كوهين وقائد المنطقة الجنوبية، اللواء هرتسي هليفي، إلى قطر، لأنه «ليس هناك سرّ». وقال: «قطر هي الدولة الأقلّ ترشّحاً لتوقيع اتفاق عدم القتال مع إسرائيل الذي أعمل عليه مع دول الخليج، إضافة إلى أنها وسيط ما بحكم علاقاتها مع الفلسطينيين... علاقاتها لم تبدأ بعد أن ترك ليبرمان وزارة الأمن، بل كانت عميقة، والموساد هو مَن يقيم علاقات مع دول ليست لدينا علاقات دبلوماسية معها».