غزة | وكأنه لا تكفي بحرَ قطاع غزة، الذي يكاد يشكّل المتنفّس الوحيد للغزّيين في ظلّ الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم منذ أكثر من 14 عاماً، مشكلة التلوّث، حتى تضاف إليها مشكلة «تآكل الشاطئ» التي تهدّد المساكن الملاصقة للبحر، في منطقة هي من الأعلى كثافة سكانية عالمياً. أسباب كثيرة تساق لهذه المشكلة، إلا أن أبرزها منع إسرائيل نقل الصخور الكبيرة اللازمة لصنع كواسر الموج من الضفة، وغياب التمويل للمشاريع الإنسانية والإنمائية بصورة عامة.

كجزء من حوض البحر المتوسط، وجراء التغيّر المناخي العالمي، ارتفع مستوى بحر قطاع غزة الضيّق المساحة، ليعمل ماؤه على تعرية الشاطئ ونحت رماله، في ظاهرة تُسمّى «تآكل الشاطئ». ظاهرةٌ تضاف إلى مشكلة أخرى خطيرة ومستمرّة، تتمثل في تلوّث غالبية مياه البحر الشاطئية بمياه الصرف الصحي التي تُضخّ من دون معالجة بسبب نقص الوقود والكهرباء اللازمين لتشغيل المحطات المختصة. وتثير أزمة «تآكل الشاطئ» قلقاً إضافياً، ليس على البيئة البحرية فقط، بل على حياة السكان ومنازلهم، خاصة في المناطق المنخفضة والقريبة من الشاطئ، التي صارت مهدّدة بالانهيار والغرق جراء نحت الرمال التي تحميها. هذه الظاهرة تتركز في أربع مناطق هي الأكثر تضرّراً: السوادنية شمالاً، ومخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ودير البلح في الوسط، و«القرية السويدية» جنوباً. وتعود أسبابها، وفقاً للمختص في مجال البيئة أحمد حلس، إلى «الموانئ غير البيئية التي تُبنى في البحر، وتمنع تزويد الشاطئ بما يلزمه من رواسب، علماً أن لدينا في غزة تيّارات تسير عكس عقارب الساعة في البحر المتوسط، وتنقل رواسب ترفد شواطئ غزة ولبنان وفلسطين عامة بالطمي والأتربة والرمال... ما يمنع ذلك، الموانئ المبنيّة بشكل غير علمي مثل ميناء غزة، أو خان يونس الجاري إنشاؤه حالياً، أو الذي تبنيه مصر على حدود القطاع الجنوبية». بالنتيجة، يستمرّ الموج في نحت رمال اليابسة لمصلحة البحر، وهو ما يؤدي إلى «خلل في تركيبة الشاطئ يهدّد جيولوجية سطح التربة، وهذا يختلف من منطقة إلى أخرى، فالمناطق المنخفضة شمال القطاع والقريبة من الشاطئ تكون عرضة للغمر أكثر»، يقول حلس، مُسجّلاً اعتراضَيه أيضاً على هندسة الشوارع قرب الشاطئ، إذ أنها غير محميّة من الأمواج، ما يؤدي إلى تآكل الشارع وغرف الصيّادين المقامة عليها (50 غرفة على طول الساحل).
إزاء ذلك، تحتجّ الجهات المسؤولة بنقص التمويل منذ عام 2007، لأن الدول المانحة تمتنع عن دعم مشاريع البنى التحتية وغيرها بحجة أن السلطة غير موجودة في غزة، وأن رام الله لا تملك قراراً في القطاع. إذ في أعقاب سيطرة «حماس» على غزة، خفّض المانحون تمويلهم للمشاريع الإنسانية والإنمائية بصورة كبيرة، أو وضعوا شروطاً صعبة لها. كما تسبّبت قوانين «مكافحة الإرهاب» في تقييد حيّز العمل لدى المنظمات الدولية (غير الحكومية) داخل القطاع. فضلاً عما تقدّم، تقول البلديات إن نسبة الجباية لديها لا تتعدّى في أحسن حالاتها 10%، فيما يعتبر حلس أنه «حتى في حال تَوّفر التمويل، فإن هذه المشاريع لا تُعدّ ذات أولوية لحكومة غزة» السابقة. وكان آخر مشروع تمّ تنفيذه في هذا المجال كَلّف 13 مليون دولار لاستجلاب الصخور من مدينة الخليل في الضفة المحتلة للعمل في مخيم الشاطئ، لكنه لم يكتمل بسبب وقف التمويل وجراء الخلافات السياسية. ومشكلة المخيم الممتدّ لـ1800 متر على الساحل أنه يعاني تآكلاً شديداً بسبب غياب كواسر الموج. ووفقاً لرئيس «لجنة الطوارئ في بلدية غزة»، المهندس عبد الرحيم أبو القمبز، فإنه إلى جانب كواسر الأمواج، لا بدّ من تطوير البنية التحتية للشوارع القريبة من البحر، وإنشاء جدران استنادية لحماية حرم الطريق. ويلفت أبو القمبز إلى «(أننا) نحتاج إلى صخور كبيرة يصل وزن الواحدة منها إلى 7 - 10 أطنان، وهي متوافرة في الضفة لكن الاحتلال يمنع جلبها».

تمنع إسرائيل نقل الصخور الكبيرة - من الضفة - اللازمة لصنع كواسر الموج


وتتشارك البلدية المسؤولية عن ساحل المخيم مع وزارتَي الأشغال والحكم المحلي و«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين» (الأونروا)، وكلّها تعاني نقصاً في التمويل. ويرتبط التآكل في «الشاطئ» بإنشاء ميناء غزة قريباً من المخيم، علماً أن مدرجاً يؤدي إلى شارع الرشيد انهار جراء منخفض جوي قبل أيام، الأمر الذي سَبّب تآكلاً وانجرافاً في الشارع نفسه. يشير أبو القمبز إلى أن «البلدية تتدخل وقت الطوارئ حالياً... العام الماضي توجّهنا إلى الأونروا لحماية المقطع الأكثر تضرراً في مخيم الشاطئ، وحصلنا على تمويل صغير بقيمة ثلاثين ألف دولار لشراء مكعبات باطون وحماية نحو 150 إلى 200 متر كحل موقّت». ويضيف: «بالشراكة مع الجهات ذات العلاقة، أعددنا مشاريع إغاثية للعامين الجاري والمقبل هدفها وضع كتل باطون في كلّ المناطق التي يحدث فيها تآكل، في ما تصل تكلفته إلى مليون دولار»، مستدركاً بأن «الحلّ المستدام هو تطوير شارع الرشيد القريب من البحر بألسنة بحرية بواقع لسانٍ كلّ 300 متر على الشاطئ، أي بناء الشاطئ مرة أخرى، وهو مشروع جاهز لدى وزارة الأشغال وعرضناه على الجهات المانحة بتكلفة 12 مليون دولار».
يؤكد الإشكالية نفسها وكيل وزارة الأشغال العامة، ناجي سرحان، الذي يقول: «أرسلنا مناشدات إلى المؤسسات الدولية، لكن لا استجابة حتى الآن، ولذلك نقوم بأعمال طارئة بالإمكانات محدودة... اشترينا بعض الكتل الخرسانية من مخلّفات المباني التي قصفها الاحتلال، ودعمنا فيها أجزاء من الشاطئ مؤقتاً». وإلى جانب أزمة المخيم، يتهدّد مصير مشابه «القرية السويدية» على الحدود الفلسطينية - المصرية، حيث يوجد نحو 130 منزلاً متناثراً على أطراف المخيم الذي تديره «الأونروا»، يخشى سكانها أن يهاجمهم البحر في المنخفضات المقبلة ويدمّر بيوتهم. وهم يتساءلون عن دور جهات رسمية أخرى غير الوكالة الدولية. هنا، يجيب المدير العام لقسم «حماية البيئة» في «سلطة جودة البيئة»، بهاء الأغا، بالقول إن دور سلطته رقابي، وإنهم سبق وتواصلوا مع الجهات المعنية لتحذيرها من الخطر على شاطئ «السويدية».
أما عن السلطة، فإنها منذ ثلاث سنوات غائبة كلياً عن دعم المشروعات في غزة. وفي هذا الإطار، يقول الصحافي الاقتصادي، محمد أبو جياب، تعقيباً على ما نشره رئيس الوزراء، محمد اشتية، حول المشاريع في خطة حكومته، إن عناوينها «قوية لكنْ فيها خداع وتضليل إعلامي»، مضيفاً: «يتحدّث اشتية عن مشاريع سيبدأ تنفيذها في الضفة والقدس وغزة، عددها 153 ما بين بنى تحتية وتعليم وصحة، لكن بعد تفحّص الوثائق يتبيّن أن نصيب القطاع 11 فقط». ويتابع أبو جياب: «في مجال البنى التحتية هناك 65 مشروعاً، واحد منها فقط لغزة، وهو تأهيل شارع قصر العدل وسط القطاع، على رغم أن غزة على صعيد البنى التحتية منكوبة ومتهالكة باعتراف رام الله نفسها».



التلوّث مستمر ويتوسّع
تستمرّ أزمة التلوث في بحر غزة، بل وتسلك مساراً تصاعدياً بحسب ما تفيد به أحدث إحصائية لدى بلدية غزة، تشير إلى أن نسبة التلوّث في بحر القطاع وصلت إلى نحو 80%. ويقول مسؤول المختبر البيئي في «سلطة جودة البيئة»، عطية البرش، إنه بعد أخذ عيّنات من المياه وتحليلها في أيار/ مايو الماضي، تبيّن أن «أجزاء كبيرة من شاطئ القطاع باتت غير صالحة للسباحة بسبب التلوث الشديد»، مضيفاً: «يستقبل البحر يومياً ما يزيد عن 110 آلاف متر مكعب من المياه العادمة غير المعالجة من نقاط التصريف المنتشرة على طول القطاع».