على رغم الحديث الإسرائيلي المكثف في الأسابيع القليلة الماضية عن صحة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي أتمّ قبل أسابيع 15 عاماً في قيادة السلطة، فإن زيارته إلى المستشفى الاستشاري في رام الله، وسط الضفة المحتلة، بصورة مفاجئة، أول من أمس، أعادت القضية إلى الواجهة من جديد. إعلامُ السلطة عمل على إخفاء سبب توجّه عباس إلى مستشفى خاصّ وليس حكومياً تزامناً مع منخفض جوي قوي يضرب رام الله، قائلاً إنه جاء لزيارة قسم الأطفال. لكن مصادر في المستشفى نفسه تفيد «الأخبار» بأن «أبو مازن» دخل لإجراء فحوص طارئة، لافتة إلى أن المبرّرات التي ساقها الإعلام الرسمي جاءت بتعليمات رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، اللذين رافقاه.

الزيارة، التي بدا لافتاً تغيّب وزيرة الصحة مي الكيلة عنها خلافاً للعادة، أجرى أثناءها عباس فحوصاً بعد جلوسه مع طبيبه الخاص، سُحبت خلالها عينة من دمه إضافة إلى خصوعه لتصوير لمنطقة الصدر، وفق ما تضيف المصادر نفسها. وتتابع أن «الحالة الصحية لعباس فور دخوله كانت غير مطمئنة، فقد دخل وكان أحد مرافقيه يسانده من أسفل كتفه». مع ذلك، تقدّر أوساط طبية مقربة من رئيس السلطة أن وضعه الصحي ليس خطيراً، بل بإمكانه «ممارسة نشاطه المعتاد في الرئاسة مع دورية إجراء الفحوصات»، علماً أنه ظهر أمس خلال لقائه الحاكم العام لأستراليا، ديفيد هيرلي، في مقرّ المقاطعة في رام الله.
في هذا الوقت، ووسط التقارير المكثفة حول صحة «أبو مازن» من أكثر من جانب، تستعدّ حركة «حماس» لاحتمال غياب عباس عن الساحة خلال العام الجاري، بعد بلوغه 85 عاماً والحديث عن أن وضعه قد يمنعه من مواصلة مهامه. تقول مصادر في الحركة إنها عقدت أخيراً نقاشات داخلية للتعامل مع جميع السيناريوات، إضافة إلى إجرائها للمرة الأولى اتصالات مع أطراف فصائلية وأخرى في حركة «فتح» في الشأن نفسه. وترى «حماس» أنها في مرحلة ما بعد عباس ستكون أمام استحقاق الذهاب نحو انتخابات رئاسية بعد ستين يوماً، فضلاً عن إشكالية من سيحلّ مكانه خلال المدة الانتقالية التي يحدّدها القانون بمئة يوم، خاصة أن «المجلس التشريعي» تمّ حلّه، كما أُنشئت «المحكمة الدستورية» التي ترغب «فتح» في أن يتولى رئيسها، المستشار محمد الحاج قاسم، رئاسة السلطة في المرحلة الانتقالية، بدلاً من رئيس «التشريعي»، عزيز الدويك، المحسوب على «حماس».

الخيار الأكثر واقعية لدى «حماس» هو التوافق مع «فتح» على شخصية للرئاسة


وعلى رغم تعويل الحركة على أن مرحلة ما بعد عباس ستكون أفضل مما سبقها، إلا أن أيّ شخصية ترغب في الترشح لرئاسة السلطة تحتاج إلى توافق عام عليها، وهو ما يبدو صعب التحقق جراء التدخلات الخارجية والإسرائيلية في فرض خيارات تدفع إلى تواصل الانقسام وبقاء الدور الأمني للسلطة في الضفة. لهذا، تشير المصادر «الحمساوية» إلى أن الحركة تضغط للذهاب إلى انتخابات تشريعية «لإعادة ترتيب عدد من الملفات، ومنها المتعلقة بما بعد عباس... نسعى عبر التشريعي الجديد إلى تعديل القوانين التي فرضها أبو مازن خلال تعطيل المجلس، بما في ذلك منع تمرير قانون أن يتولى رئيس الدستورية منصب الرئيس في المرحلة المؤقتة، وأن يعاد هذا الحق إلى رئيس التشريعي الجديد». وتقدّر «حماس» أن هذا التوجه هو أحد أهمّ الأسباب التي تدفع السلطة و«فتح» إلى المماطلة في إجراء الانتخابات الآن، على رغم موافقة الأولى والفصائل عامة على الشروط «الفتحاوية»، إذ تخشى «فتح» من ألّا تفوز في «التشريعية»، ما سينعكس على قدرتها على تمرير أيّ قوانين أو قرارات تكون في مصلحتها، ولا سيّما بعد عباس، ولذا تسعى إلى بقاء الوضع على ما هو عليه لتكون الخيارات اللاحقة في مصلحتها.
مع ذلك، تخشى «حماس» من سيناريو الفوضى الذي قد تدعمه إسرائيل ودول عربية تريد إنهاء القضية الفلسطينية، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى ضمّ إسرائيل الضفة، والشروع في خطوات عملية وكبرى ضمن ما يُسمى «صفقة القرن». ولذا، وعلى رغم معارضتها خيارات تطرحها «فتح» بما فيها تولّي رئيس «اللجنة التنفيذية» أو «المجلس المركزي» في منظمة التحرير رئاسة السلطة مؤقتاً، إلا أن «حماس» تواصل اتصالاتها مع أطراف في «فتح» للتباحث حول شخصية يمكن ترشيحها لرئاسة السلطة، والترتيب لإجراءات «تعيد بناء النظام السياسي»، وفق ما تكشفه المصادر، خاصة أن الإفراج عن الأسير مروان البرغوثي في صفقة قريبة ثمّ ترشّحه للانتخابات خيار صعب التحقق قريباً لظروف كثيرة. أما عن إسرائيل، فيمكن القول إنها مستعدة منذ مدة طويلة لمرحلة ما بعد عباس؛ إذ شهد العام الماضي وحده تدرّب جيش الاحتلال على سيناريوات تحاكي تغيّب رئيس السلطة عن الساحة. ومذاك، يتكثّف وجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية، بما فيها مناطق «أ»، ليلاً ونهاراً، عبر دوريات تقتحم جميع المدن، ومن بينها رام الله التي تُعتبر مركز السلطة.