لم يحظَ رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، بأكثر من لقاءٍ بارد في سوتشي، ليعود إلى تل أبيب خالي الوفاض من هدايا انتخابية كان يأمل أن يتلقاها من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، علّها تُحسّن وضعه في صناديق الاقتراع في الانتخابات المبكرة بنسختها الثانية، الثلاثاء المقبل. وخلافاً للقاء في موسكو عشية انتخابات نيسان/ أبريل الماضي، حيث تلقى هدية انتخابية كبيرة جداً بتسلّم رفات أحد المفقودين الإسرائيليين في معركة السلطان يعقوب عام 1982 لدى اجتياح لبنان، لم يتكرّم بوتين على نتنياهو هذه المرة بأكثر من التقاط الصور، وهو الحدّ الأقصى لعطاءات الرئاسة الروسية، خلافاً لما كان يعوّل عليه نتنياهو.

أكثر من ذلك، سُجّلت على هامش اللقاء في سوتشي إشارتان من قِبَل بوتين، تفيدان بتغيير في القراءة الروسية لمآلات الوضع السياسي في إسرائيل وإمكانات التغيير فيه، في ظلّ توقعات سيئة ترتبط بوضع نتنياهو، الأمر الذي يدفع إلى هذا الاستقبال البارد، والتأكيد غير المباشر أن موسكو لا تفضّل أحداً على أحد من المنافسين في الانتخابات الإسرائيلية. والإشارتان المذكورتان هما:
- «تنشيف دم» نتنياهو (التعبير الوارد في الإعلام العبري) بعدما انتظر أكثر من ثلاث ساعات في غرفة الانتظار ليتمكّن من مقابلة بوتين. وهو إجراء نادر جداً يؤكد ما قيل عن برودة اللقاء، وأن نتنياهو يحلّ هذه المرة ضيفاً ثقيلاً على بوتين، وخصوصاً أن موسكو تدرك أن هدف الزيارة هو للكسب الانتخابي حصراً، في ظلّ لايقين حول نتائج الانتخابات.

انتظر أكثر من ثلاث ساعات في غرفة الانتظار ليتمكّن من مقابلة بوتين


- خلافاً لتشديد نتنياهو على أهمية التنسيق الأمني بين البلدين خلال هذه الفترة التي أعلن أنها تشهد زيادة لافتة في المحاولات الإيرانية للإضرار بإسرائيل انطلاقاً من سوريا، ركّز تصريح بوتين بشكل غير مباشر على احتمال سقوط نتنياهو في الانتخابات، وطالب بضرورة أن يحافظ الفائز بها على «خط الصداقة بين بلدينا ويعزّز العلاقات أيضاً في المستقبل».
الواضح أن هاتين الإشارتين لا تتعلّقان بالموقف الروسي من إسرائيل نفسها، ولا من مصالحها، ولا تعكسان تغييراً في السياسة الروسية والتفاهمات القائمة حول الساحة السورية. واستناداً إلى ذلك، فإن ما كان سيبقى على ما هو عليه، وكل ما ورد عن بوتين موجّه تحديداً إلى شخص نتنياهو، وتعبير عن رفضه أن يجاريه انتخابياً هذه المرة. لا يعني هذا تغييراً في سلوك إسرائيل العدائي في الساحة السورية، أو تراجعاً في وتيرته عما كان عليه الوضع قبل الزيارة. فالزيارة التي جاءت على خلفية انتخابية، تبقى الإشارات الواردة فيها أيضاً انتخابية، ولا دلالة لها ميدانياً.
في الوقت نفسه، «العناق البارد» الذي تخلّل الزيارة، كما وصفته أمس صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يؤكد من جديد خطأ ما كان يردّده نتنياهو وحاشيته من أن دوره وشخصه وصداقاته هي التي تؤمّن موقفاً متفهّماً من قِبَل الجانب الروسي لهجمات إسرائيل في سوريا، لا العلاقات المبنيّة على التخادم بين الجانبين في تحقيق المصالح، والتي تقف فعلياً وراء «تفهّم» روسيا لتلك الهجمات ما بقيت دون سقف الإضرار بالإنجازات الروسية على الساحة السورية. قد تكون الانتخابات الإسرائيلية، التي فرضت على نتنياهو زيارة سوتشي طلباً لمقعد إضافي في الكنيست أو حتى نصف مقعد، مناسبة للاستدلال على خطأ التقييمات المرتبطة بسياسات موسكو، وتحديداً في ما يتعلّق بالتفاهمات الظرفية معها، والتي بإمكانها التملص منها لأدنى المكاسب، إن استطاعت إليها سبيلاً. أما نتنياهو، فهو يعود إلى إسرائيل صفر اليدين هذه المرة. فلا دبابة ولا رفات من معركة السلطان يعقوب، ولا التزامات من بوتين بـ«عطايا» تزيد عن مستوى «عطاياه» في الساحة السورية، سوى تأكيده، غير المباشر، أن زيارة نتنياهو قد تكون الأخيرة لروسيا، بصفته رئيساً لوزراء إسرائيل.