مما لا شك فيه أن التصريح الذي أدلى به عضو «الكنيست»، رئيس «القائمة العربية المشتركة» أيمن عودة، لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، حول استعداد قائمته لتسمية رئيس «أزرق أبيض»، الجنرال بيني غانتس لمنصب رئاسة الوزراء في إسرائيل، عشية صدور نتائج الانتخابات، إن أبدى الأخير إشارات إيجابية نحو فلسطينيي الـ48، وأيضاً جاهزيته الكاملة للمشاركة الفعلية في الائتلاف الحكومي الذي يرغب غانتس في تشكيله من الأحزاب الصهيونية المصنفة وفق الرؤية الإسرائيلية كأحزاب يسار ووسط، في حال استجاب لجملة من المطالب الاجتماعية ـــ الاقتصادية المرتبطة بحياة الفلسطينيين، لهو ضرب من ضروب التيه السياسي وفقدان البوصلة.

على ما يبدو، فإن السيد عودة ليس بالساذج إلى درجة أن يتوقع مشاركة القائمة في الحكومة المقبلة بفعل تصريحاته، بقدر ما أظن أنه أراد لها أن تسجل اختراقاً تكتيكياً على مستويين: الأول كشف زيف الأحزاب الصهيونية من يسار ووسط وادعاءاتها وثقافتها السياسية في كل ما يتعلق بزعمها مسعاها لتحقيق الشراكة والمساواة التامة مع الجماهير العربية في فلسطين. أما الثاني، فمرتبط مباشرة بفلسطينيي الـ48 العازفين عن المشاركة في الانتخابات، وقد اقتصرت مشاركتهم في الانتخابات الماضية على 49%، وهو ما يودّ عودة تغييره عبر اللعب على وتر القضايا المطلبية، على أمل أن تشكل دافعاً لقطاعات جديدة للإدلاء بأصواتها، ورفع نسبة المشاركة إلى ما يقارب 65% كما يطمح.
‏في الواقع‏، فإن تصريح عودة، بغض النظر عن تأثيره المباشر، يُعتبر في مفاهيم السياسة إعلان توجيهات، الأمر الذي يجعله أكثر خطورة على المدى الاستراتيجي. ‏وإن كان ما افترضناه من أهداف تكتيكية أراد تحقيقها صحيحاً، يمكننا القطع بأن أياً منها لم يحقق غايته. فالأحزاب الصهيونية، وفي مقدمتها صاحب العلاقة «أزرق أبيض»، رفضتها، معللة ذلك بالموقف التقليدي للأحزاب الصهيونية التي ترفض أي شراكة مع أي حزب غير صهيوني ‏لا يعترف بالحق التاريخي لليهود في فلسطين. وفي ما عدا بنيامين نتنياهو الذي سارع إلى توظيف تصريح عودة لمصلحته، ببعث الحمية أكثر في جمهور ناخبيه اليمينيين،‏ فإن الإعلام العبري تعاطى مع التصريحات كخبر عابر، ولم يتوقف عندها كثيراً، ما أفقدها أي تأثير محتمل في الرأي العام في (إسرائيل)، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من استطلاعات الرأي التي تلت تصريحات عودة مباشرة، ولم تظهر أي تغيير يذكر على خريطة الأحزاب وقوتها مقارنة بالاستطلاعات الفائتة. ‏وهو ‏ما ينسحب على قوة «القائمة المشتركة» التي راوحت مكانها (11 مقعداً)، بما عناه ذلك من إخفاق عودة في بعث الحماسة في أوساط فلسطينيي الـ48 بتصريحاته التي أتمنى أن يعاقبه الفلسطينيون عليها ويقاطعوا الانتخابات.

عودة ليس بالساذج إلى درجة يتوقع فيها مشاركة فلسطينية في حكومة العدو


‏أعتقد جازماً بأن السيد عودة قد فاته أن على أي تكتيك سياسي مُتبع ‏أن يعكس مهام المرحلة الراهنة بدقة، بناءً على التحليل للواقع الملموس، وبما يضمن خدمته الهدف أو البرنامج العام والثابت والاستراتيجي، المتمثل هنا في تأكيد الهوية الوطنية والقومية لأبناء شعبنا في فلسطين، واللحمة مع باقي تجمعات الشعب العربي الفلسطيني في الوطن والشتات، ووحدة الهدف والمصير. ‏ما دون ذلك يعتبر انتهاكاً صارخاً، فإعلان التوجهات الذي أدلى به للصحيفة العبرية هو تحول استراتيجي في الخطاب السياسي المجمع عليه بين القوى الوطنية في فلسطين الـ48، ومن ضمنها الأحزاب المشاركة في انتخابات الكنيست، التي إن افترضنا جدلاً تفهّمنا ‏لمشاركتها في الانتخابات، كتكتيك سياسي هدفه خدمة الجماهير العربية والدفاع عن مصالحها في وجه سياسات التمييز والإقصاء كما تقول هذه الأحزاب، فإنه من المؤكد أننا لن نكون قادرين مطلقاً على فهم التغيير الجذري في خطابها السياسي بداعي التكتيك. ‏
حتى إن ظلّ هذا الخطاب صرخة عابرة في فضاء المستحيل، فعلى الثوابت لا يمكن قبول المساومة، لأنها في هذه الحالة هي وجه الهزيمة، وإقرار ضمني بالواقع المجافي، والاستسلام له بحجة موازين القوى المختلّة لمصلحة الطرف الآخر. وإلا كيف بإمكاننا قراءة الموقف الذي عرضه عودة؟ كيف بإمكاننا قراءة تصريح بهذا الوزن، يقبل فيه الشراكة المبدئية مع الأحزاب الصهيونية التي منذ إنشاء «أحباء صهيون» في 1881 حتى اليوم خططت ونفذت سياسات إحلالية اقتلاعية ضد شعبنا العربي الفلسطيني؟ ‏كيف يتوقع منا السيد عودة أن نتواطأ، ولو نظرياً، مع فكرة أن لدولة الاحتلال حكومة تحظى بالشرعية، كأن مشكلتنا معها مختزلة في الشق الاجتماعي ـــــ الاقتصادي وليست سياسية، وكأنها ليست المسؤولة والسبب الأول للنكبة وما تبعها من نكسة، وما كان قبلهما وتواصل بينهما واستقر سياسةً من بعدهما إلى الآن، من ظلم وإجحاف تاريخيين بحق الشعب العربي الفلسطيني، وكرّسته كمعاناة مزمنة سياساتُ حكومات الاحتلال المتعاقبة، من تشريد ولجوء وسلب للأرض وانتهاك للكرامة وتدمير للشجر والحجر، ومن إقامة لنظام الأبرتهايد في الضفة المحتلة، والتهويد للقدس، والحصار والتجويع في قطاع غزة، والإقصاء والتهميش لفلسطينيي الـ48؟
ألا تدرك يا سيد عودة ‏أن تكتيك السياسي إن قُدِّر له أن يخدم أحداً‏ فإنه لن يخدم سوى الاحتلال ومنظومته الفكرية والسياسية التي تزعم أنها «ديموقراطية»، وسيعمل على المساهمة في تمويه طابعها الإثني أمام العالم. لا أخفيكم سراً: إن فكرة جلوس وزراء فلسطينيين في مجلس الوزراء الإسرائيلي تبعث في أوصالي القشعريرة، فكيف إن تخيّلنا هذا المجلس بحضورهم يناقش مشاريع وقرارات ‏تندرج ضمن السياسات المعهودة من هدم للبيوت، ومصادرة للأراضي، وحملات اعتقال في الضفة، وتهويد للقدس وطرد لأهلها، وتضييق للخناق على القطاع، وبناء للمستوطنات والجدران، وشنّ للعمليات العسكرية ضد الضفة والقطاع ولبنان وسوريا والعراق والسودان، وربما اليمن وإيران، والقائمة دوماً مفتوحة؟
خلاصة القول: تصريح أيمن عودة خطأ استراتيجي وخطير للغاية، ولا ينمّ عن فطنة سياسية، وفي كل الأحوال، لا يمكن القبول المبدئي بمثل هذه التصريحات من زعماء سياسيين في فلسطين بمستوى عودة، وتسويغها على أنها مناورة سياسية مشروعة. فالمساومة مشروعة على المتحول لا الثابت. ‏إن كل ما من شأنه ضرب الإجماع الوطني بين فلسطينيي الـ48، وتقويض اللحمة بين التجمعات الفلسطينية على اختلاف أماكنها، والتماهي مع سياسات دولة الاحتلال لتذويب الهوية العربية لفلسطينيي الـ48 بهدف أسرلتها ‏وفصلها عن امتدادها الطبيعي، هو أمر غير مشروع ومرفوض وطنياً وقومياً، ولا يستقيم مع حقيقة أن فلسطينيي الـ48 مركّب أصيل من مركّبات الشعب العربي عموماً والفلسطيني على وجه الخصوص، يتشاركون همومه وأهدافه وطموحاته التاريخية العادلة والمشروعة.

* اسم مستعار لأسير
فلسطيني معتقل في السجون الإسرائيلية منذ 2001.