تعرّض مُصلّى باب الرحمة في القدس المحتلة، في الأسابيع الأخيرة، لمحاولتَي تفريغ من أثاثه وممتلكاته على أيدي جنود العدو الإسرائيلي. اقتحم هؤلاء المصلّى بالأحذية، وسحبوا منه السجاد والقاطع الخشبي بين الرجال والنساء، بعدما اشترطوا ذلك لإدخال مواد البناء. اعتداءاتٌ تستكمل محاولات متتالية للالتفاف على ما تحقق في «هبّة باب الرحمة»، من فتح للمصلّى المغلق منذ عام 2003. وهي محاولات لا تبدو عمّان و«الأوقاف الإسلامية» التابعة لها بعيدة منها، بحسب أوساط فلسطينية تستدلّ على اتهاماتها بتصريح الجهات الأردنية المعنية (الحكومة والأوقاف والخارجية) أكثر من مرة بأنها تريد عودة الأمور إلى ما قبل عام 2003، عندما كانت تدير «باب الرحمة» جمعيةٌ وقفية تدعى «لجنة التراث الإسلامي»، فضلاً عن إصرارها على استخدام الاسم منزوعاً من صفة «المصلى».

هذه الرغبة في جعله مكتبة أو جمعية أو مؤسسة وقفية «تسهّل محاولات الاحتلال السيطرة على الأمور أو ضبطها، إذ سيجد جهة رسمية يتحدث ويتفق معها من وراء الأبواب الموصدة، لا شارعاً منتفضاً غير قابل للضبط وليس معروفاً من هو رأسه»، تقول أوساط مقدسية، مضيفة أن «هذه محاولة للالتفاف على الإنجاز الشعبي». يتقاطع هذا مع ما سرّبته «القناة الـ13» الإسرائيلية عن أن هناك «مباحثات جارية بين عمّان وتل أبيب حول باب الرحمة»، وأن الأزمة التي نشأت بسببه بين الجانبين «في طريقها إلى الحل». وفق القناة، تقضي التفاهمات بإغلاق المصلى ستة أشهر بداعي الترميمات، وبعد الانتهاء من الترميم الذي يأتي بطلب من الأردن، سيُفتح مكتب إداري للأوقاف هناك. وقال المشاركون في المباحثات، التي انعقدت الأحد الماضي «في مكتب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وشارك فيها مسؤولون أمنيون» بحسب القناة، إن «هذا المسار التفاهمي هدفه منع اشتعال الأوضاع حول باب الرحمة، لأنها يمكن أن تمتدّ إلى بقية المدينة، ولا سيما شرقيها». وبعد ساعتين من نشر تلك التسريبات، نقلت «وكالة الأنباء الأردنية الرسمية» (بترا) عن «مصدر مسؤول» أن «لا صحة لمزاعم صحافية إسرائيلية بخصوص مبنى باب الرحمة». وأضافت «بترا» أن «موقف الأردن الثابت هو أن باب الرحمة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى/ الحرم القدسي الشريف، وحكمه حكم المسجد الأقصى من جميع النواحي، و(أنه) يرفض أي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة». كما أكد المصدر أنه «لا بد من ترميم الباب، وإعادة وضعه كما كان قبل إغلاقه من قِبَل سلطات الاحتلال في آذار (مارس) 2003».

نجحت الهبّات الشعبية ثلاث مرات في جعل العدو يتراجع عن قراراته


لكن المشكلة، واقعاً، ليست في اعتبار الأردن «باب الرحمة جزءاً من الأقصى» من عدمه، بل في كيفية استخدام المكان ومشروعية إغلاقه بحجة الترميمات. فإذا كانت لدى المملكة نيات حسنة، وجب عليها التشديد دائماً على كون «باب الرحمة» مصلى وليس مكتب أوقاف فقط، فضلاً عن ضرورة أن يتم الإبقاء عليه مفتوحاً طوال مدة أعمال الترميم، مثلما هي الحال في كل المصليات المسقوفة. وفي هذا الإطار، تقول مصادر من قلب القدس، لـ«الأخبار»، إن الترميم على مراحل أمر ممكن «لأن مساحة المُصلى تبلغ 200 متر مربع، ويمكن تقسيمه على مرحلتين: يُرمّم مئة متر في الأولى ومئة في الثانية، وبذلك يتسنى إبقاؤه مفتوحاً للمصلين والمرابطين». ومن هنا، تتخوف الأوساط الفلسطينية من أن «يتعامل الأردن مع هذا الملف كما تعامل سابقاً مع ملف الغاز الإسرائيلي، عندما نفت حكومة عبد الله النسور أنها ستستورد غازاً إسرائيلياً، وقالت إن هذا غاز فلسطيني، ليتبين لاحقاً أن الصفقة تتعلق بحقل تمار الإسرائيلي».
من جهتها، عبّرت «مؤسسة القدس الدولية» (مقرّها بيروت) عن «استغرابها أشدّ الاستغراب صمت دائرة الأوقاف الإسلامية والحكومة الأردنية إزاء ما يدور في مصلى باب الرحمة»، مضيفة: «ما زلنا، ومعنا كثير من محبّي الأقصى وأهله، نتطلع إلى موقف واضح من الأوقاف والحكومة الأردنية تجاه مصلى باب الرحمة، إذ إن من شأن هذا الموقف أن يفشل المسعى الصهيوني ويقوي الصف العربي والإسلامي. أما غموض الموقف أو تأخره، فمن شأنه أن يترك مساحة للمحتل لن يتوانى عن استغلالها ضد المصلى وضد الأقصى والمرابطين».
وتكمن أهمية معركة مصلى باب الرحمة في كونها رأس حربة للفعل الجماهيري، الذي أجبر الاحتلال على التراجع في القدس ثلاث مرات متتالية: في 21/10/2015 عبر التراجع عن التقسيم الزماني التام بفعل انتفاضة السكاكين وشهدائها، وفي 27/7/2017 من خلال التراجع عن البوابات الإلكترونية أمام «هبة باب الأسباط»، وفي 22/9/2019 عبر فتح مصلى باب الرحمة.