دور إسرائيل وحلفائها العضويين داخل الإدارة الأميركية في الدفع باتجاه مواجهة عسكرية مع إيران لم يعد مجالاً للجدل. منذ النكبة عام 1948، لا يمر يوم إلا وتتأكد الطبيعة السرطانية للمشروع الصهيوني للشعب الفلسطيني طبعاً، ولشعوب الأمة العربية والإسلامية أيضاً. فإذا كان الشعب الفلسطيني أول من دفع، ولا يزال، الأكلاف البشرية والمادية الأعظم في مواجهة هذا المشروع، فإن الأخير سرعان ما استهدف بقية شعوب المنطقة ومحاولاتها للاستقلال والتقدم والوحدة. ومع تطور وتعمق علاقاته مع القوى الغربية، وخاصة مع الولايات المتحدة، انتقل الكيان الصهيوني من كونه أداة وظيفية في خدمة المخططات الإمبريالية إلى موقع الطرف القادر، عبر تحالفاته داخل النخب الحاكمة ودوائر صنع القرار، على المشاركة في صياغة هذه المخططات وفي ترجمتها على الأرض. ليس من المبالغة اعتبار الحرب التي شنت على العراق عام 2003 حرباً إسرائيلية أولاً وأساساً، والأمر نفسه ينطبق على التصعيد الحالي ضد إيران. لقد نكب العراق يوم غزته الجيوش الأميركية ــــ البريطانية، ويسعى الائتلاف الأميركي ــــ الإسرائيلي ــــ الخليجي إلى إلحاق نكبة أخرى بإيران، دفاعاً عن إسرائيل في الحالتين قبل أي اعتبار آخر. لا مجال للتوفيق بين التطلعات العميقة والأصيلة لشعوب الأمة، وبين مشروع استعماري استيطاني إحلالي وعنصري كالكيان الصهيوني لا يزال يريد، بالشراكة مع حلفائه الغربيين، الهيمنة الاستراتيجية عليها. شرط نجاح هذا المشروع هو إلحاق نكبات جديدة بالشعوب وبلدانها، وخاصة تلك المستقلة.

التبريرات التي قدمت لتفسير قرار إدارة بوش الابن تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، بدءاً من الجيش والأجهزة الأمنية، بعد سقوط بغداد، اعتبرت في معظمها أن هدف المحافظين الجدد، مهندسي الحرب، كان اجتثاث «البعث». استلهم هؤلاء، طبقاً لهذه التبريرات، تجربة اجتثاث النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وحاولوا تطبيقها في سياق عراقي. لكن ما جرى بعد ذلك من بناء لنظام سياسي على أسس طائفية وإثنية ومن تأجيج وإدارة أميركية للصراع الطائفي لم يترك مجالاً للشك حول الخلفيات الفعلية لقرار «محو العراق». سيطرت الولايات المتحدة على قسم واسع من بلدان الجنوب وعلى ثرواتها بالاعتماد على أنظمة حكم عسكرية وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلابات. ما الذي منع اعتماد السياسة نفسها في العراق، أي الحفاظ على الجيش والأجهزة الأمنية والدولة المركزية، بعد تطهيرها من القيادات والعناصر الموالية لنظام «البعث» والتحكم بالبلاد وثرواتها عبرهم؟ من الذي صفّى مئات العلماء وآلاف الأساتذة الجامعيين وكوادر الدولة وضباط الجيش ولماذا؟ لم تعد الإجابات عن هذه الأسئلة مجهولة. لقد أشرف «المحافظون الجدد» على تدمير العراق وتسعير الانقسام المذهبي انطلاقاً منه، في طول الإقليم وعرضه، خدمة لإسرائيل. ملايين القتلى والمهجرين، وخراب مقيم، وأحقاد وجراح لا تندمل، هي جميعها من معالم نكبة العراق.
إسرائيل وحلفاؤها العقائديون الأيديولوجيون والدينيون في إدارة دونالد ترامب يريدون لإيران مصيراً مشابهاً للعراق. عندما ينظر جون بولتون إلى لائحة الدول المستهدفة في مشروع إعادة صياغة الشرق الأوسط، سيجد أن غالبيتها كليبيا وسوريا والعراق مدمرة أو شبه مدمرة. دولة وحيدة، موجودة على اللائحة، تمكنت من حماية سيادتها واستقرارها، ومن توسيع شبكة تحالفاتها ونفوذها، هي إيران. وهي من وجهة نظره مسؤولة عن تطوير قدرات محور المقاومة العسكرية والصاروخية كماً ونوعاً، إلى درجة باتت تهدد الأمن الإسرائيلي. النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية وحلفاؤها العضويون في الإدارة الأميركية يعتقدون أن الزمن يعمل لغير مصلحة إسرائيل، وأن تأجيل المواجهة يعني إتاحة الفرصة لأطراف المحور للمزيد من تعزيز القدرات، ما قد يجعلها مستحيلة في المستقبل القريب، بل قد يبادر هذا المحور في مرحلة لاحقة إلى فتح الاشتباك مع إسرائيل أملاً بتعديل قواعد اللعبة والمزيد من تحجيم قدرتها على العدوان.
فقدان إسرائيل تفوقها العسكري النوعي وقدرتها على المبادرة في الحرب سيترتب عليه نتائج وخيمة بالنسبة إليها وإلى تحالفاتها الدولية ومشروعها بالتحول إلى قطب علمي وتكنولوجي. هذا الدور الذي تقوم به إيران كافٍ في رأيهم لشن الحرب عليها. من الممكن إضافة أسباب «أميركية» للحرب مثل وزنها الإقليمي المتزايد وتحالفاتها الدولية مع القوى الصاعدة غير الغربية والإنجازات التي حققتها في المجالات العلمية والتكنولوجية، لكن السبب المتعلق بالحفاظ على التفوق الإسرائيلي يبقى رئيسياً.
لقد طردت العصابات الصهيونية الشعب الفلسطيني من أرضه عبر القتل والترويع قبل 71 عاماً، ومنذ ذلك التاريخ تشن الحروب على شعوب المنطقة دفاعاً عنها، وهي لن تعرف الأمن والاستقرار إلا يوم تعود هذه العصابات من حيث أتت.