حيفا المحتلة | «سنعطيهم حكماً ذاتياً وهم يستطيعون تسميته دولة». الكلام لوزير الأمن الإسرائيلي الأسبق، موشيه يعلون، في مقابلة مع مجلة «غلوبس» (28/10/2015)، حيث اقتبس تصريحات لإسحاق رابين قبل شهر من مقتله، لخص فيها الأخير رؤيته لإنهاء الصراع بإنشاء «كيان هو أقل من دولة». قبل هذا التصريح بأكثر من عقدين، صوّت الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلة عام 1948 بنسبة تاريخية لشمعون بيريز (أكثر من 94% من مجمل العرب الذين صوتوا)، لاقتناعهم بأنه «الأمل في إقامة دولة فلسطينية في المناطق المحتلة عام 67».

تصويتهم كان في حقيقة الأمر داعماً لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ومتماهياً معها في الموقف القائل بإنهاء الصراع عن طريق إقامة دولة فلسطينية مستقلة على 22% من مساحة فلسطين التاريخية. في تلك الانتخابات، التي صوّت فيها 77 بالمئة من فلسطينيي الـ48 (حاملو الجنسية الإسرائيلية الذين مُنحوا «حق» الاقتراع)، صعد بنيامين نتنياهو إلى الحكم، ليأتي إثره إيهود باراك، الذي تفجّرت في عهده الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، بعدما تأكد الفلسطينيون (الرسميون) من غاية الإسرائيليين الحقيقية من اتفاق أوسلو.
بعد 26 عاماً، يجد فلسطينيو الـ48 أنفسهم اليوم أمام انتخابات جديدة للكنيست الصهيوني. وبرغم كل المتغيرات الإقليمية والفلسطينية، لم تتغير شعارات دعاة المشاركة في الانتخابات: «إسقاط اليمين، والحفاظ على الوجود». الحقيقة أن الشعار الأول لا يستحق التوقف عنده كثيراً؛ فبرغم تداول الحكم بين «اليمين» و«اليسار»، لم يتغيّر جوهر الفعل السياسي لإسرائيل كحالة استيطانية: المستوطنات اتسعت، ووتيرة هدم البيوت ومصادرة الأراضي ارتفعت، فيما شنت إسرائيل حرباً على لبنان وثلاثاً على غزة... لذلك، إن التفرقة بين «يمين» و«يسار» في هذا السياق، داخل مجتمع مُجمِع على إلغاء الوجود الفلسطيني مع اختلاف على الطريقة، ليست إلا تفرقة قائمة في مخيلة القائل بها.
على هذه الخلفية، يمكن القول إن أخطر «إنجازات أوسلو» على الفلسطينيين لم تكن التفريط بالأرض فقط، بل أثر الاتفاق في الوعي الفلسطيني؛ إذ أُعيد تصميمه بمأسسة الفصل بين الفلسطينيين في 67 و48. أصبح هدف الفئة الأخيرة تحسين ظروفها بالتشديد على البعد الخدماتي والتطويري عبر القوى المنصهرة في العملية السياسية الإسرائيلية والمتمثلة في أحزاب الكنيست، وعلى رأسها قوائم عربية («التجمع» و«الإسلامية») أو عربية يهودية («الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة»)، وهي القوائم التي شكلت الحامل الأساسي لهذا المشروع من دون نجاح يذكر، بل قرنت وجود الفلسطينيين في وطنهم بوجودهم في الكنيست، واختزلت دورها في الموضوع السياسي المركزي في كونها احتياط الأصوات لليسار الإسرائيلي المتخيل!
في مناطق 1948، ازداد العمل في سياق «المواطنة» ومن خلاله، على أساس أن القوانين التي تُسنّ في الكنيست كلها صالحة مدنياً، أي اتُّخذت بحكم الأغلبية الديموقراطية (إذا ما كان يمكن اعتبار الكنيست برلماناً حقيقياً، والقوانين التي تصدر عنه حالة مدنية، والفلسطينيين الممثلين فيه أقلية عددية)، لكن الحقيقة أن هذه المواطنة حالة شكلية فقط، والدليل على ذلك أن معظم القوانين التي تُسنّ في سياق الوجود السياسي لفلسطينيي الداخل إنما تُشرّع لضرب هذا الوجود، وعند الاعتراض خارج «الصندوق الإسرائيلي» دائماً ما يكون الرد أن «القانون ديموقراطي وقد طعنتم فيه بكل الأطر القانونية الممكنة».
نتيجة ذلك كله، مزيد من قوننة العنصرية التي تشرعنها في الشكل المشاركة في الكنيست. لكن الأخطر هو المراوحة في التسويق للأسرلة كأداة يمكن بها فقط إحداث تأثير، الأمر الذي بدأ يتسلّل أيضاً إلى أدبيات الأحزاب العربية المشاركة، التي باتت تستعمل مصطلحات مثل «جسم مانع». هذا المناخ السياسي يواجَه حالياً بـ«الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست». صحيح أن الدعوة للمقاطعة ليست الأولى من نوعها، لكن الخطاب الحالي يُشكل أكثر من كل سابقيه حالة رفض لذوبان الوعي الفلسطيني، وتشكيل بديل أخلاقي وسياسي له. فهو لا يأتي ليرفض المشاركة في الكنيست فقط، بل يرفض ما أفرزه هذا الخطاب من مسوغات استباحت الوعي الفلسطيني لعقود طويلة باسم العقلانية والواقعية، والتي ليست في جوهرها إلا دعوات للتسليم بالأمر الواقع. واقعٌ يستحوذ فيه الإسرائيلي على كل فلسطين أرضاً وشعباً ووعياً، ويطلب فيه تعلّم التعايش معه!
الحقيقة أن الجسم السياسي الوحيد اليوم الذي يعمل من خلال وعي عميق للصراع هو حملة المقاطعة، التي تشكل حركة «أبناء البلد» عمودها الفقري، وهي التي تنادي بمشروع تحرري للكل الفلسطيني، معبرة عن الطموح الحقيقي للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة. المقاطعة لا ترفض فقط قسم الولاء لدولة الشعب اليهودي الذي يقسمه 120 عضو كنيست، وإنما هي أيضاً حالة من المواجهة المباشرة والجوهرية مع تعريف إسرائيل نفسها بحسب «قانون القومية» كدولة قومية لليهود فقط، فهي تأتي لتقول إن فلسطين وطن كل الفلسطينيين.
إن العمل خارج الصندوق الإسرائيلي ليس واقعياً فقط، بل واجب لأنه الوحيد الكفيل بزعزعة المنظومة الإسرائيلية والتلاقي مع حركات المقاطعة الآخذة بالاتساع، ومحاصرة العنصرية الإسرائيلية في كل العالم. ما عدا ذلك معناه الالتصاق بتكرار المكرر، وممارسة المريح للنظام السياسي الإسرائيلي، أي المعارضة الشكلية من موقع الأقلية. أمّا بديله، فهو مقاومة هذه الهيمنة العنصرية، وبناء مشروع جامع قادر على ذلك، ليس تبني نهج المقاطعة إلا ­­­بوابته.