لم يمنع قصف الاحتلال الإسرائيلي للمباني واستهدافه المدنيين طيلة يوم أمس، من توجّه مئات الفلسطينيين إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة اليوم، للمشاركة في مسيرات العودة. إذ شهدت الخيام على الحدود الشرقية لقطاع غزة، مسيرات أطلق فيها المتظاهرون الطائرات الورقية الحارقة، وإحراق الإطارات المطاطية لمنع القناصة من استهدافهم. إلا أن ذلك لم يمنع جنود العدو الإسرائيلي من استهدافهم، بإطلاق النار عليهم من رشاشات الدبابات، ما أدى إلى استشهاد شخصين وإصابة 242 آخرين، بالرصاص الحي وبالاختناق.

وأعلن الناطق باسم وزارة الصحة، أشرف القدرة، عن استشهاد المسعف المتطوع عبد الله القططي، وعلي سعيد العالول 55 عاما برصاص الاحتلال، مضيفاً أن من بين المصابين 5 مسعفين و4 صحافيين.
وقالت «الهيئة الوطنية لمسيرة العودة وكسر الحصار»: «لقد أثبت شعبنا في قطاع غزة، بمشاركته الواسعة بمسيرات العودة أنه لا يبحث عن الحرب والموت بل يريد الحياة والكرامة وتنسم عبير الحرية والعودة». وحيّت الهيئة المقاومة «الباسلة التي تصدّت موحّدة للعدوان الإسرائيلي ونعتبرها مفخرة لشعبنا ولنضاله العادل»، ودعت إلى المشاركة يوم الجمعة المقبل في فعاليات «ثوار من أجل القدس والأقصى» تزامناً مع ذكرى إحراق المسجد المقدس عام 1969.

«قلب غزة النابض»
حتى مساء أمس، كان المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية والسياسية الإسرائيلي (الكابينيت)، يهوّل ويتوعّد باحتلال قطاع غزة ويوصي جيشه بالرّد بقوة على إطلاق الصواريخ من القطاع. لكن بعد وقت قصير جداً، أكدت فصائل المقاومة الفلسطينية، والغرفة المشتركة للعمليات العسكرية، أنها ستلتزم بالتهدئة ما زال العدو يلتزم بها، وأنها مستمرة بالتمسك بالمعادلة التي فرضتها قبل أشهر: «القصف بالقصف والدم بالدم».
وبعدما كان مسؤول أمني إسرائيلي قد قال أمس، أمام الصحافيين: «لنوفّر طرح الأسئلة... إنني لا أرى نهاية التصعيد»، في إشارة واضحة إلى نيّة تل أبيب الاستمرار بعدوانها، نقلت وسائل الإعلام العبرية عن مسؤول عسكري اليوم، قوله إن «الاحتمالات لوقوع مواجهة عسكرية واسعة مع غزة... قد تراجعت».
الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ورغم النفي الرسمي على المستوى السياسي بالتوصل لتهدئة، أعلنت صباح اليوم، عن عودة الحياة الطبيعية إلى مستوطنات غلاف غزة وإمكانية ممارسة الروتين اليومي بالشكل المعتاد.
على ضوء ذلك، كان آخر الأهداف التي هاجمها العدو هو مركز «المسحال» للثقافة والعلوم. والأخير ليس إلا مؤسسة تُعنى بالأمور الثقافية والفنية، والمكان بحسب ما وصفه مرتادوه «قلب غزة النابض». في الاعتداء، أصيب أكثر من 18 فلسطيني بجروح مختلفة، وبات الصرح الثقافي بعد قصفة مجرّد كومة من الركام؛ علماً بأنه يضم طابقاً تابعاً للجالية المصرية في غزة.

ردود الفعل على الهمجية الإسرائيلية
رأت حركة «حماس» أن قصف مركز «المسحال»، «هو سلوك همجي، ينتمي لعصور التخلّف التي تحارب الثقافة بالنار والبارود».
أمّا «الجهاد الإسلامي»، فاعتبرت أن «هذا العدوان يفضح تماماً نوايا الاحتلال وإرهابه، ويكشف محاولاته النيل من الهوية الثقافية الوطنية والقومية، عبر تدمير مؤسسة ثقافية ومركز يجسّد الحضارة والتاريخ الفلسطيني».
وزارة الثقافة الفلسطينية اعتبرت، من جهتها، أن «ما أقدم عليه الاحتلال من قصف متعمد للمبنى، إنما هو استمرار لمسلسل استهداف البنية التحتية الثقافية في فلسطين عامة، وقطاع غزة على وجه الخصوص، حيث يأتي بعد ذلك القصف الذي استهدف دار الكتب الوطنية ومدينة الحرف، في اعتداء صارخ على الموروث الثقافي الفلسطيني يبرز رعب الاحتلال من الثقافة الوطنية التي تعكس الجذور الراسخة للهوية الفلسطينية».
رئيس الجالية المصرية في غزة، عادل عبد الرحمن، قال إن «المقر الثقافي الذي قصفه الاحتلال في غزة، يقدم الخدمات لآلاف الأمهات المصريات في قطاع غزة، وتم تدميره بطريقة بشعة وعنجهية».
رداً على تدميره، وفي محاولة ملفتة لإظهار صمودهم ومقاومتهم، رغم الألم والفاجعة، أقامت مجموعة من الفنانين حفلاً موسيقياً على ركام مركز «المسحال» الثقافي. احتفال متواضع أكد من خلاله الغزيون تعطشهم للثقافة والفن، رغم كل محاولات العدو لمحاربتهم.

«48% من الإسرائيليين يريدون الحرب»
أظهر استطلاع حديث للرأي أجراه مركز «بونالس بوليتكس» الإسرائيلي لصالح صحيفة «معاريف» أن غالبية الإسرائيليين غير راضين عن أداء رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وسياسته تجاه قطاع غزة، موضحاً أن 64 في المئة منهم غير راضين عن هذا الأداء.
في المقابل، قال 29 في المئة من المستطلعة آراؤهم إنهم راضون عن سياسته، في حين لم يحدّد 7 في المئة آراءهم. كذلك، يتبيّن أن 48 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون شن عملية عسكرية واسعة النطاق على غزة، في حين يعارض 41 في المئة ذلك، و11 لم يعرفوا تحديد إجابتهم.