غزة | رغم الإدانات الدولية لاستهداف الشهيد المقعد إبراهيم أبو ثريا، قبل نحو شهر ونصف، لا يمل الاحتلال تكرار الجريمة على أعين الإعلام. فهذه المرة استشهد مقعد آخر هو فادي أبو صلاح. كان فادي يطوف بكرسيّه المتحرّك الحدودَ الملتهبة بين قطاع غزّة وفلسطين المحتلة، يحملُ مقلاعه ويلقي بأقصى عزمه الحجارة صوبَ الجنود الإسرائيليين المختبئين خلف سواتر رمليّة عالية.

وكان أبو صلاح (34 عاماً) قد فقد قدميه في العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008، العملية التي أطلقت عليها قيادة الاحتلال الإسرائيلي اسم «الرصاص المصبوب». يومذاك كان الموت والدمار يصبّان على رؤوس الغزيين، ومن الضحايا فادي الذي كان شاهداً على دفن قدميه. لكن هذا لم يثنه عن مواصلة المشاركة في المسيرات على حدود غزة، والاحتجاج بأضعف الإيمان على القرار الأميركي نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
ابن غزة، صديقُ الإعلامِ والكاميرات التي التقطت له صوراً من كل حدبٍ وصوبٍ وهو يتقّدمُ صفوف المتظاهرين شرقي غزة في الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها بدء «مسيرات العودة»، كان من السبّاقين لنصب خيمته، بل جلب عائلته المكونة من ستةِ أفرادٍ إليها، وحثّ جميع جيرانه وأصدقائه على المشاركة. وكما يفيد أصدقاؤه، كان يشاركُ في الأمسيات الليلية التي تنظمها الفعاليات الشعبية على الحدود.
«فادي كان محركاً للفعاليات لا مشاركاً فيها»، يقول أحد الذين جاوروه خلال الأسابيع الماضية، مضيفاً: «بعزيمته الحديدية، أسقط الحجة على الذين لم يشاركوا في نصرةِ الأرضِ والقدِس وفلسطين». ولفادي خمسة أطفالٍ أكبرهم عمره 7 سنواتٍ يتجرعون الآن مرارة اليتم والفقد.
تقول زوجته إنه كان من أكثر الشباب حماسة وإيماناً بالعودة إلى بلاده المحتلة، لكنه الآن «حقق حلمه بأن طارتْ روحه فوق بلادنا». وتضيف دامعة أن الابتسامة لم تفارق وجهه، وأن طيبته سرقت قلبَ كل من عرفه من أهل المخيم، متابعة: «كان حنوناً مع الأولاد ويعلّمهم كيف يواجهوا هذه الحياةِ الصعبة بكلامٍ أكبر من سنّهم... لما كنت أقول له إن الكلام كبيرٌ عليهم كان يقول لي: الفلسطينية رجال من لما ينولدوا».
خلال المسيرات كان لفادي جولات بكرسيّه الكهربائي المتحرك الذي أضاف إليه إضافات خاصة لتسهل حركته بين خيمته والحدود. لكن في الرابع عشر من أيار، خلال ذورة الاحتجاجات، باغتته قذيفة إسرائيلية أطلقتها دبابة كانت متمركزة شرقَ خانيونس، فاستشهد مع أربعة متظاهرين آخرين، محققاً بذلك عودته التي كان يتمنى إلى فلسطين.