غزة | لم يبرد الدم المتدفق على حدود قطاع غزة حتى خرجت أصوات فصائلية وشعبية تطالب بالبحث في أسباب توقّف المسيرات أمس المصادف لذكرى النكبة، خصوصاً أن التحشيد كان قائماً على الدعوة إلى أن تستمر المسيرات ليومين، وذلك في ظل تركيز العدو الإسرائيلي على إشاعة أن «ضغوطاً مصرية» هي التي تسبّبت في وقف الحراك وسحب الجماهير، على عكس ما كان مخططاً له.

وفوجئ المتظاهرون على حدود القطاع عصر أول من أمس بمناداة مكبرات الصوت في «مخيمات العودة» عليهم بالرجوع وإنهاء الفعاليات، الأمر الذي أثار بلبلة ما بين مشكك وغاضب، فقد ظنوا أن هذا القرار جاء بسبب تحوّل موقف القيادة السياسية فحواه إفساح المجال للمقاومة كي تؤدي دورها في الدفاع عن الناس. مصادر محلية وفصائلية أكدت لـ«الأخبار» أن «قيادة حماس أمرت بصورة مفاجئة ومن دون إبلاغ غرفة الفصائل والهيئة العليا لمسيرات العودة بإنهاء الفعاليات جراء سقوط عدد كبير من الشهداء والمصابين، خصوصاً بعدما تبيّنت صعوبة اجتياز الحدود كما كان مخططاً».
هذا التراجع أثار تساؤلات كثيرة، لا سيما أن المشهد الذي خرج به الشبان كان مشابهاً لتظاهرات سابقة، وكذلك لم تشهد الأعداد زيادة نوعية، على رغم أن الصدمة كانت كبيرة بسبب عدد الشهداء والمصابين المهول خلال ساعات. تشرح المصادر أن المصريين تواصلوا عبر «خط ساخن» مع قيادة «حماس» بعد ارتفاع أعداد الشهداء لحثها على وقف ما يحدث خشية أن يؤدي الأمر إلى الذهاب إلى «حرب طاحنة»، مبلّغين الحركة رسالة إسرائيلية مفادها بأن الإسرائيليين قرروا منع أي خرق للحدود مهما كان عدد الشهداء الفلسطينيين. في الوقت نفسه، كان خط الاتصال الحمساوي ــ القطري فعالاً، إذ طلبت الدوحة من الحركة تهدئة الأوضاع «خشية التدهور»، ناقلة من جهتها وعوداً بموافقات إسرائيلية على مشاريع جديدة لتحسين الواقع الإنساني في القطاع ينفذها القطريون وجهات دولية أخرى، على أن تدخل المواد الخاصة بها عبر الأراضي المصرية.
هكذا، وبعدما لم يتحقق ما خططت له «الهيئة العليا لمخيمات العودة» و«حماس» ميدانياً، وتحديداً اجتياز الشريط الحدودي بأعداد كبيرة بما يشكل ضغطاً كبيراً على العدو، استغلت إسرائيل حالات التسلل المحدودة لتقصف بالمدفعية والهاون المتظاهرين، الأمر الذي أدى إلى عدد كبير من الشهداء والإصابات وتراجع المتظاهرين وتأخير تنفيذ الخطط المعدة للمسيرات. وبينما كانت الضغوط تتواصل على «حماس»، أعلنت القاهرة استعدادها لتوفير المواد الطبية اللازمة، كما أعلنت تمديد فتح معبر رفح البري ونقل الجرحى للعلاج في المستشفيات المصرية، وهو ما كان يصعب على الحركة رفضه تحسباً من رد الفعل المصري.

استشهد فلسطينيان في غزة وآخر في الضفة خلال مواجهات مع العدو


وعلمت «الأخبار» أن كلاً من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية» أجرت أمس تقييماً شاملاً لما حدث خلال المسيرات بسبب التضارب في القرارات، ثم أكدت الفصائل الثلاثة في تصريحات منفصلة مواصلة «مسيرات العودة» بعد إعادة تنظيم الأمور. وتراهن هذه الفصائل على ضغط الجيش الإسرائيلي على حكومته لتحسين الواقع في القطاع، نتيجة تأثير المسيرات في خطط الجيش التطويرية التي توقفت بما في ذلك التدريبات الكبرى السنوية على جميع الجبهات، إضافة إلى توقف بناء الجدار الأرضي مع القطاع، فضلاً عن تواصل انتشار قوات العدو المكثف على طول الحدود.
ومساء أمس، طلبت «اللجنة العليا لمسيرات العودة» الاستمرار بالفعاليات على الحدود، فيما توجه رئيس المكتب السياسي لـ«حركة المقاومة الإسلامية» (حماس)، إسماعيل هنية، إلى أحد «مخيمات العودة»، قائلاً في أكثر من تصريح إن «الشعب الفلسطيني وحده هو من يقرر الوقائع على الأرض... يجب على الاحتلال أن يحسب ألف حساب لغضب مقاومتنا وكتائبنا». لكن استمرار الفعاليات والدعوة لتصعيدها الجمعة يشيران إلى أن الفصائل لا تزال تستبعد الخيار العسكري في الوقت الحالي.
وفي ضوء المطالبات الشعبية التي نادت بالرد على مجزرة الاحتلال، تؤكد الأجنحة العسكرية أنها لا تزال تمارس «ضبط النفس» كي لا تنزلق الأوضاع في القطاع إلى حرب تظهر فيها الكفة بوضوح لمصلحة الاحتلال، خصوصاً أن القطاع يعيش «وسط إقليم معادٍ لن يسمح بترجمة أي إنجاز عسكري إلى مكسب سياسي»، إضافة إلى انعدام خطوط الإمداد، ما يعني أن السلاح الذي سيفقد خلال المعركة لا يمكن تعويضه بسهولة، تكمل المصادر.
وفي محاولة عربية لامتصاص الموقف، أعلنت عدد من الدول تقديم مساعدات طبية لعلاج المصابين بعد مصر، أبرزهم الأردن الذي أعلن ملكه عبد الله الثاني بتعزيز المستشفى الميداني الأردني في غزة بكوادر فنية متخصصة، وتزويده بكل المستلزمات الطبية، فيما أعلنت الإمارات تخصيص 5 ملايين دولار لعلاج الجرحى.
ميدانياً، ارتقى شهيدان أمس في غزة، أحدهما برصاص الاحتلال شرق مخيم البريج (وسط القطاع) ليرتفع عدد الشهداء منذ انطلاق «مسيرات العودة» في 30 آذار الماضي إلى 118 (62 منهم في مجزرة الرابع عشر من آذار)، بينهم 7 أطفال، فيما أصيب نحو 12 ألفاً آخرين. كذلك، استشهد مسن وأصيب العشرات بجروح متفاوتة خلال مواجهات اندلعت أمس مع قوات الاحتلال في الضفة المحتلة. وعلى رغم توقف المسيرات، كثّف الشبان أمس عمليات إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، ما أدى إلى اشتعال أكثر من 23 حريقاً في منطقة «غلاف غزة» بحسب إذاعة «ريشت كان» العبرية.



مجلس الأمن يحذر من «الانفجار»
طالب المنسق الخاص للأمم المتحدة لـ«عملية السلام» في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، بـ«توقف حلقة العنف في قطاع غزة وإلا ستنفجر وستقود المنطقة لمواجهة مميتة»، واصفاً ما حدث في القطاع بأنه «أكثر الأيام دموية في غزة منذ النزاع». وقال خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن في شأن التطورات الفلسطينية: «عشرات الآلاف يتظاهرون في غزة منذ ستة أسابيع بمسيرات العودة، ويعيشون ظروفاً تشبه السجن... يجب الاستماع إلى معاناتهم فقد عاشوا من الحروب الثلاثة وقد لطخوا بمعاناة يومية تسببت بها قيادتهم السياسية». لكنه قال إن «عليها (إسرائيل) أن تحافظ على حدودها من الاختراق والإرهاب، وعلى حماس ألا تستخدم هذه التظاهرات كعذر لزرع القنابل على السياج».
بدورها، ادعت المندوبة الأميركية، نيكي هيلي، بأن جيش الاحتلال «تعامل بضبط النفس مع المتظاهرين... ما جرى في غزة لا يحتاج إلى جلسة طارئة في مجلس الأمن، بل يجب علينا الاحتفال بنقل سفارتنا إلى القدس عاصمة الشعب اليهودي». إلى ذلك، أعلنت تركيا أنها طردت السفير الإسرائيلي لديها بعدما أبلغته أن «عودته (إلى فلسطين) لفترة سيكون مناسباً»، فيما ردت تل أبيب بطرد القنصل التركي.