«اللهم امنحنا القوة لكي ندرك أنّ المهزوزين والمترددين لا يصنعون تاريخاً ولا يبنون مجداً، إنّ الذين يقاتلون يحق لهم أنْ يأملوا النصر، أمّا الذين لا يقاتلون، فلا ينتظرون شيئاً سوى القتل»


جمال عبد الناصر

خاص بالموقع | حلّت في الثاني من تشرين الثاني الجاري الذكرى السنويّة لوعد بلفور، السيّئ الصيت والسمعة، عندما أعطى منْ لا يملك، أيْ بريطانيا، لمن لا يستحق، أيْ الحركة الصهيونيّة وزبانيتها، أرض فلسطين الغالية، على طبق من ذهب.

وتحوّل هذا الوعد إلى توطئة للمخطط الأكبر المتمثل في قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدّة، في 1947، الذي يحمل الرقم 181، فتلقفه الصهاينة، ورفضه العرب بحدة. ومنذ ذلك الحين، والجدال دائر بين العرب والفلسطينيين حول رفض القرار، ويستعمل الإسرائيليون الرفض العربيّ للتقسيم بهدف الإثبات للعالم أنّهم وافقوا، لكنّ العرب، على حدّ قولهم، لا يُهدرون أيّ فرصة للخسارة، بسبب تزمتهم. وفي هذا المقام، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الصهيونيّة، وصنيعتها الدولة العبريّة، أدمنتا اختلاق الحقائق المزورّة، وإعادة كتابة التاريخ بما يتماشى مع مصالحهما، ويتماهى مع استراتيجيتهما، لكنّ الطامة الكبرى أنْ يقوم من يُطلق على نفسه لقب الرئيس الفلسطينيّ، محمود عبّاس، بإطلاق تصريح يندى له الجبين. فالسيّد الرئيس (رئيس منْ؟ رئيس أيّ دولة؟ منْ انتخبه؟ ربّما رئيس بلدية المقاطعة المحاصرة في رام الله المحتلّة)، قرر مخاطبة الرأي العام في دولة الأكثريّة اليهوديّة، وبالتالي أدلى بحديث خصّ به القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيليّ. وقبل الولوج في تصريحاته، علينا التنويه بأنّ قادة فلسطين الجدد، إذا جاز التعبير، تبّنوا مصطلحات جديدة ومستحدثة يستخدمونها عندما يتحدثون للإعلام العبريّ، وهذه اللغة تعج بمصطلحات النفاق والرياء ومسح الجوخ، علّ وعسى، هكذا يعتقدون، تصل إلى الآذان الإسرائيليّة الصمّاء. وحتى اليوم لم تُسهم هذه اللغة في إقناع الرأي العام في الدولة العبريّة بأنّ السيّد عبّاس وباقي أعضاء القيادة المتنفذة يريدون السلام مع الصهاينة. فشعبية رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في ارتفاع مستمر بسبب مواقفه المعارضة لأيّ حديث عن السلام...

■ ■ ■

أحيانًا تسمع التصريحات، وتُشاهد الشخص الذي يُدلي بها، وتتخيّل أنّك في كابوس دامس وحالك، فضلاً عن أنّه مرعب. فالسيّد عبّاس، وفي معرض ردّه على سؤال، ألقى قنبلة من العيار الثقيل، قنبلة، باعتقادنا المتواضع جداً، مُحرّمة أخلاقياً ووطنياً. قال الرجل، دون أنْ يرف رمشه، إنّ العرب والفلسطينيين ارتكبوا خطأً تاريخياً برفضهم قرار التقسيم، بكلمات أخرى، عزز سيادة «الرئيس» الرواية الصهيونيّة، التي انطلت على الغرب، أوْ كما نقول بلغة الضاد العاميّة، لكنّها فصيحة، جاء ليُكحلها فعماها. أقوال عبّاس هي وصمة عار في جبينه أولاً، وفي جبين كلّ إنسان لا تزال العروبة تنبض فيه وتجري في دمّه، وبما أنّه لا يُمثّل الشعب الفلسطينيّ، يجب التنبيه إلى أنّ أقواله خطيرة، وتداعياتها أخطر في ما يتعلق بقرار التقسيم، الأمر الذي يُحتّم علينا التنويه لكي لا تنطلي على الآخرين في هذا المطّب التاريخيّ والمفصليّ. نعم، لقد رفضنا قرار التقسيم جملةًً وتفصيلاً، ولا نزال على موقفنا، ذلك أنّه من غير المعقول أنْ نوافق على تقسيم أرضنا التي ورثناها عن الآباء والأجداد، وأن نمنح نصفها لمُستجلَبين من دول مختلفة في أرجاء المعمورة. مستجلبين وصلوا إلى فلسطين، متسلحين بمقولتهم الكاذبة إنّ فلسطين هي أرضٌ بلا شعب لشعب بلا أرض، وعاقدين العزم على تنفيذ جريمة بحقّ شعب أعزل: التهجير والتشريد والمجازر. فليتخيّل كل واحد منّا المشهد الآتي: أنْ يصل إلى بيته ضيف ثقيل الظل، برفقة الحاكم العسكريّ، ويُطالب صاحب المنزل الأصلي بتقسيم البيت إلى قسمين، الأوّل له، والثاني للضيف، لا نعتقد أنّ كائناً منْ كان على وجه هذه البسيطة كان سيقبل هذا الاقتراح. ومن الخاص إلى العام: الصراع التاريخيّ بين الحركة الصهيونيّة، المدعومة من القوى الاستعماريّة والإمبرياليّة، في جوهره الصلب، هو صراع مرير ودمويّ على ملكية هذه الأرض الفلسطينيّة الطيبّة، التي استباحها الاستعمار وجلب الوكلاء ليحلوا محلّه في أكبر مؤامرة عرفها التاريخ الحديث.

■ ■ ■

في كتابه الجديد «شارون ــ سيرة حياة قائد»، يقول المؤلف وهو نجله، جلعاد، إنّ رئيس الوزراء الأسبق، المسؤول الأوّل والأخير عن عدّة مجازر بحق الشعب العربيّ الفلسطينيّ من قبية حتى صبرا وشاتيلا، كان يهتم بجمع كل المراسلات والمستندات ومحاضر الجلسات، منذ توليه أول منصب عسكريّ حتى الأيام الأخيرة في حياته السياسية. ويتناول الكتاب أهّم المحطات في حياة شارون العسكريّة والسياسيّة، ويكشف الكتاب عن رسالة سريّة بخط يد وزير الخارجية في حكومة شارون، شمعون بيريز، التي شملت محضر جلسة سريّة عُقدت بين بيريز وعبّاس، ووفق الكتاب، فإنّ عبّاس، قبيل تعيينه رئيساً للوزراء، أوْ بالأصّح قبيل فرضه من الأميركيين، في السلطة الفلسطينيّة، التي كان يرأسها في ذلك الحين الرئيس الشهيد، ياسر عرفات، أقام قناة اتصال مع الإسرائيليين من وراء ظهر الرئيس، على حدّ قول المذكّرة السريّة. وتشير الرسالة إلى أن عبّاس حذّر بيريز من أنّه إذا انكشف أمر اللقاء، فإنّ حياته ستكون في خطر: «إذا انكشف أمر اللقاء، فسأكون في عداد الأموات»، قال عبّاس لبيريز. ووفق الرسالة يتحتّم على الدولة العبريّة أنْ تتوقف عن كيل المديح لعبّاس والثناء عليه، كي لا تمس في فرص انتخابه رئيساً للحكومة. ويصف أبو مازن، الراحل عرفات، بحسب الرسالة، بأنّه إنسان غير واقعي، كما طلب عبّاس مساعدة إسرائيل على إقناع أميركا بمنح معونات ماليّة للفلسطينيين، بعد انتخابه، كما وردت في الرسالة العبارة التالية، وهي مترجمة إلى العربيّة حرفياً: خلال اللقاءات السريّة ناقش بيريز مع عبّاس مسألة إطاحة الرئيس عرفات. اللافت أنّ الرئاسة الفلسطينيّة لم تُعقّب على الفضيحة الجديدة، الأمر الذي يزيد من شكوكنا في أنّ وراء الأكمة ما وراءها، فيما سارعت إلى تقديم شكوى للأمم المتحدّة ضدّ تصريحات ليبرمان، لافتةً إلى أنّ تصريحاته الأخيرة تمثل خطراً على حياة عبّاس.

■ ■ ■

بعد خطابه في الأمم المتحدّة تحوّل عبّاس إلى شخصية مقبولة في الشارع الفلسطينيّ، مع أننّا نُشدد على أنّ مسرحية أيلول في المنظمة الأمميّة، هي كوميديا تراجيديّة، لن تقود إلى الدولة العلمانيّة الديموقراطيّة، التي نصبو إليها، لأنّ الحق يؤخذ ولا يُعطى، مضافاً إلى ذلك، بعد تصريحه الأخير للتلفزيون الإسرائيليّ انبرى الفاشيّ، أفيغدور ليبرمان، قائلاً إنّ عبّاس ليس رجل سلام، وإنّه يعمل ضد إسرائيل على الساحة الدولية، وإنّه أسوأ زعيم بإمكان إسرائيل أنْ تجد نفسها أمامه، فهو يُهدد بتسليم المفاتيح، وليته يفعل لأنّ من يخلفه سيكون أفضل. سمعنا أنّ رئيس السلطة يبحث جدياً إعلان حل السلطة الفلسطينيّة كردّ على المواقف الأميركيّة والإسرائيليّة المتغطرسة والرافضة للسلام والداعمة للاستيطان، ونأمل أنْ يكون هذا التوجه مطروحاً، لأنّ الشعب الفلسطينيّ لم يجن ممّا تُسمى العملية السلميّة غير الحصرم، وتحوّل إلى شعب متسوّل يعيش على استجداء المساعدات الدوليّة والعربيّة، بينما ينهب الإسرائيليون أرضه، ويسرقون مياهه، ويتعمدون إذلاله. ومثل هذا الوضع هو قمة قمم الإهانة، وبالتالي فإنّ الخيار الوحيد الباقي هو حلّ السلطة، شريطة أنْ لا يكون ورقة تهديد تكتيكيّة لتحسين شروط التفاوض، أوْ للحصول على اعتراف رمزيّ بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وإنمّا خطوة جديّة نتيجة قناعة راسخة بفشل الرهان على المفاوضات، والعودة إلى تسمية الأمور بمسمياتها الصحيحة والأصليّة: الاحتلال هو احتلال، والمقاومة هي مقاومة. وبما أنّ الدولة العبريّة لا ترغب بتاتاً في إنهاء الاحتلال، وهو الأخير من نوعه، على وجه هذه البسيطة، فلتتحمل، هي وحليفتها أميركا ودول النفاق الأوروبيّ، تبعات هذه التصرّفات العنجهية، التي تؤكد للمرّة بعد الألف، أنّ الحركة الصهيونيّة، هي استعماريّة بامتياز، وأطماعها عبرت منذ زمن بعيد حدود فلسطين التاريخيّة.

* كاتب من فلسطين 48